الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 122
طريق مَنْ أَنابَ رجع إِلَيَ بالطاعة ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) فأجازيكم عليه، وجملة الوصية وما بعدها اعتراض
يا بُنَيَّ إِنَّها أي الخصلة السيئة إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ أي في أخفى مكان من ذلك يَأْتِ بِهَا اللَّهُ فيحاسب قوله: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَ خطاب لسائر المكلفين أي: واتبع أيها المكلف دين من أقبل إلى طاعتي وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه، وقيل: من أناب إليّ يعني أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه. قال ابن عباس: وذلك أنه حينما أسلم أتاه عثمان، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف وقالوا: صدقت هذا الرجل وآمنت به؟ قال: نعم هو صادق فآمنوا، ثم حملهم إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حتى أسلموا، فهؤلاء لهم سابقة الإسلام بإرشاد أبي بكر رضي اللّه عنه اهـ خازن.
قوله: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ أي: أنت ووالداك ومن أناب إليّ اهـ شيخنا.
قوله: فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بأن أجازيك على إيمانك وأجازيهما على كفرهما بيضاوي.
قوله: (و جملة الوصية) وهي قوله: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ الخ وما بعدها وهو قوله: وَإِنْ جاهَداكَ الخ اعتراض أي: بين كلامي لقمان مع ابنه اهـ شيخنا.
وفي الكرخي: قوله: (و جملة الوصية وما بعدها) أي قوله: وَوَصَّيْنَا إلى قوله: بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ اعتراض أي: بين قول لقمان: إن الشرك لظلم عظيم، وقوله: يا بُنَيَ على سبيل الاستطراد تأكيدا لما قصه لقمان من النهي عن الشرك على أنه في هذا المعترض وقع الاعتراض بين الوصية ومفعولها، وهو أن اشكر بقوله حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ تخصيصا للأمر بزيادة التأكيد في الوصية لما تكابده من المشاق وتذكيرا لعظيم حقها وإفرادها بالذكر اهـ.
وفي الخطيب: فإن قيل: وصى اللّه تعالى بالوالدين وذكر السبب في حق الأم مع أن الأب وجد منه أكثر من الأم، لأنه حمله في صلبه سنين ورباه بكسبه سنين فهو أبلغ. أجيب: بأن المشقة الحاصلة للأم أعظم فإن الأب حمله خفيفا لكونه من جملة جسده، والأم حملته ثقيلا آدميا مودعا فيها، وبعد وضعه وتربيته ليلا ونهارا وبينهما ما لا يخفى من المشقة اهـ.
قوله: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ الخ وذلك أن ابن لقمان قال: يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها اللّه؟ فقال: يا بني إنها إن تك مثقال حبة من جنس الخردل فتكن أي:
مع صغرها في صخرة. قال ابن عباس: هي صخرة تحت الأرضين السبع وهي التي يكتب فيها أعمال الفجار وخضرة السماء منها، وقيل: خلق اللّه الأرض على حوت وهو النون، والحوت في الماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، وقيل: على ظهر ثور وهو على الصخرة وهي التي ذكرها لقمان فليست في السماء ولا في الأرض اهـ خازن.
قوله: إِنْ تَكُ مجزوم بسكون النون المحذوفة تخفيفا اهـ شيخنا.
قوله: (من ذلك) أي: المذكور من الثلاثة، فالأخفى من الصخرة كأن تكون في صخرة تحت الأرضين لسبع، والأخفى من السموات كأن تكون في أعلاها، والأخفى من الأرض كأن تكون في أسفلها اهـ شيخنا.