الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 128
سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مداد ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ المعبر بها عن معلوماته بكتبها بتلك الأقلام بذلك المداد ولا بأكثر من ذلك، لأن معلوماته تعالى غير متناهية إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يعجزه شيء حَكِيمٌ (27) لا يخرج شيء من علمه وحكمته
ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ خلقا وفيه بحث، فإن المفرد التفصيل بدون تكرار أو الاستغراق بدون نفي محل نظر لأنه إنما عهد ذلك في نحو: جاؤوني رجلا رجلا وما عندي تمرة اهـ شهاب.
قوله: وَالْبَحْرُ أي: المحيط لأنه المتبادر من التعريف إذ هو الفرد الكامل اهـ شهاب.
قوله: (عطف على اسم أن) أي: وهو ما. والتقدير: ولو أن البحر يمد. وهذا على قراءة أبي عمرو، وقرأ الباقون بالرفع عطفا على موضع أن ومعمولها إذ هو مرفوع على الفاعلية بفعل مضمر أي:
لو ثبت أو مبتدأ خبره يمده، والجملة حال أي: في حال كون البحر ممدودا اهـ كرخي.
وفي القرطبي: وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ الآية لما احتج على المشركين بما احتج بيّن أن معاني كلامه سبحانه لا تنفد، وأنها لا نهاية لها. وقال القفال: لما ذكر أنه سخر لهم ما في السموات وما في الأرض، وأنه أسبغ النعم نبه على أن الأشجار لو كانت أقلاما والبحار مدادا فتكتب بها عجائب صنع اللّه الدالة على قدرته ووحدانيته لم تنفد تلك العجائب. قال القشيري:
فرد معنى الكلمات إلى المقدورات وحمل الآية على الكلام القديم أولى، والمخلوق لا بد له من نهاية، وإذا نفيت النهاية فهو نفي للنهاية عما يقدر في المستقبل على إيجاده، فأما ما حصره الوجود وعده فلا بد من تناهيه والقديم لا نهاية له على التحقيق. وقال أبو علي: المراد بالكلمات ما في الإمكان دون ما خرج منه إلى الوجود وهذا نحو ما قاله القفال، وإنما الغرض الإعلام بكثرة معاني كلمات اللّه وهي في نفسها غير متناهية، وإنما قرب الأمر إلى أفهام البشر من الكثرة لا أنها تنفد بأكثر من هذه الأقلام والبحور، وسياق نزول الآية يدل على أن المراد بالكلمات الكلام القديم. قال ابن عباس:
إن سبب هذه الآية أن اليهود قالت: يا محمد كيف عنينا بهذا القول: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 85] ونحن قد أوتينا التوراة فيها كلام اللّه وأحكامه، وعندك أنها تبيان كل شيء؟ فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «التوراة قليل من كثير» ، ونزلت هذه الآية والآية مدنية. قوله: كَلِماتُ اللَّهِ أي:
كلامه القديم النفسي القائم بذاته تعالى، وقوله (المعبر بها عن معلوماته) يعني على سبيل الفرض، والتقدير: أي: لو كان يعبر به وإلّا فالتعبير به محال، لأن التعبير إنما يكون بالألفاظ المحدثة، وبعد هذا كله لا حاجة لقوله (المعبر بها الخ) لأن الكلام القديم في حد ذاته لا يتناهى ولا ينحصر فليتأمل اهـ.
قوله: (بكتبها) أي: بسبب كتبها، أي لو كتبت بتلك الأقلام بذلك المداد ما نفدت ولا تناهت الخ اهـ.
قوله: إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ أي: إلا كخلقها وبعثها، فقوله: (خلقا وبعثا لف ونشر مرتب) . وفي القرطبي: قال الضحاك: المعنى ما ابتداء خلقكم جميعا إلا كخلق نفس واحدة، وما بعثكم يوم القيامة إلا كبعث نفس واحدة: قال النحاس: وهكذا قدره النحويون يعني إلا كخلق نفس مثل: وَسْئَلِ