الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 203
وتركها من العقاب عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ بأن خلق فيها فهما ونطقا فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ خفن مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ آدم بعد عرضها عليه إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا لنفسه بما حمله لفرجك لباسا فلا تكشفه على ما حرمت عليك. قال مجاهد: فما كان بين أن تحملها وبين أن أخرج من الجنة إلا مقدار ما بين الظهر إلى العصر. إنه كان ظلوما جهولا. قال ابن عباس: ظلوما لنفسه جهولا بأمر ربه وما تحمل من الأمانة. وقيل: ظلوما حين عصى ربه جهولا أي لا يدري ما العقاب في ترك الأمانة. وقيل: ظلوما جهولا حيث حمل الأمانة ثم لم يف بها وضمنها ولم يف بضمانها: وقيل في تفسير الآية قول آخر، وهو أن اللّه تعالى ائتمن السموات والأرض على شيء وائتمن آدم وأولاده على شيء، والأمانة في حق الاجرام العظام هي الخضوع والطاعة لما خلقن له. وقوله: (فأبين أن يحملنها) أي: أدين الأمانة ولم يخن فيها، وأما الأمانة في حق بني آدم فهو ما ذكر من الطاعة والقيام بالفرائض، وقوله: وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ أي: خان فيها، وعلى هذا القول حكي عن الحسن أنه قال: الإنسان هو الكافر والمنافق حملا الأمانة وخانا فيها، والقول الأول قول السلف وهو الأول في تفسير الآية اهـ خازن.
قوله: (مما في فعلها) من بمعنى مع أي مع ما في فعلها أي: الأمانة التي هي التكاليف، وقوله:
(من الثواب) بيان لما أي: عرضناها مع الثواب والعقاب على السموات اهـ شيخنا.
قوله: (بأن خلق فيها فهما) أي: حتى عقلت الخطاب. وقوله: (و نطقا) أي: حتى أجابت بما تقدم اهـ خازن.
قوله: فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها أتى بضمير هذه كضمير الإناث لأن جمع التكسير غير العاقل يجوز فيه ذلك وإن كان مذكرا، وإنما ذكرنا ذلك لئلا يتوهم أنه قد غلب المؤنث وهو السموات على المذكر وهو الجبال، واعلم أنه لم يكن إباؤهن كإباء إبليس في قوله تعالى: أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ [الحجر: 31] لأن السجود هناك كان فرضا، وههنا الأمانة كانت عرضا والإباء هناك كان استكبارا وههنا كان استصغارا لقوله تعالى: وَأَشْفَقْنَ مِنْها أي: خفن من الأمانة أن لا يؤدينها كما أشار إليه الشيخ المصنف في التقرير اهـ كرخي.
قوله: وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ معطوف على مقدر أي: فعرضناها على الإنسان فحملها كما أشار له بقوله: (بعد عرضها عليه) ، وهذا المقدر هو المشار إليه بقوله: (متعلقة بعرضنا المترتب عليه حمل آدم) أي: متعلقة بعرضنا المقدر اهـ شيخنا.
ولا حاجة إلى هذا كله بل كان يكفي أن يقول متعلقة بحملها اهـ.
وفي القرطبي: واللام متعلقة بحملها أي: حملها ليعذب العاصي ويثيب المطيع، وقيل: متعلقة بعرضنا أي: عرضنا الأمانة على الجميع ثم قلدناها الإنسان ليظهر شرك المشرك ونفاق المنافق ليعذبهم اللّه، وإيمان المؤمن ليثيبه اللّه اهـ.
قوله: ظَلُومًا (لنفسه) المراد بظلمه لها إتعابه إياها كما أشار له بقوله: (بما حمله) وهذا الظلم