الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 235
يقولون لهم، قال تعالى
فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ أي بعض المعبودين لبعض العابدين نَفْعًا شفاعة وَلا ضَرًّا تعذيبا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا كفروا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (42)
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا القرآن بَيِّناتٍ واضحات بلسان نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ من الأصنام وَقالُوا ما هذا أي القرآن إِلَّا إِفْكٌ كذب مُفْتَرىً على اللّه قوله: أَكْثَرُهُمْ مبتدأ، وقوله: مُؤْمِنُونَ خبر، وبهم متعلق بمؤمنون، والأكثر هنا بمعنى الكل اهـ شهاب.
وفي الكرخي: فإن قيل: جميعهم متابعون للشياطين فما وجه قوله: أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ، فإنه يدل على أن بعضهم لم يؤمن بهم ولم يطعهم؟ فالجواب من وجهين، أحدهما: أن الملائكة احترزوا عن دعوى الإحاطة بهم فقالوا: أكثرهم لأن الذين رأوهم واطلعوا على أحوالهم كانوا يعبدون الجن ويؤمنون بهم، ولعل في الوجود من لم يطلع اللّه الملائكة على حاله من الكفار. الثاني: هو أن العبادة عمل ظاهر والإيمان عمل باطن فقالوا: بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَ لاطلاعهم على أعمالهم، وقالوا: أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ عند عمل القلب لئلا يكونوا مدعين اطلاعهم على ما في القلوب، فإن القلب لا يطلع على ما فيه إلا اللّه كما قال: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [الأنفال: 43] اهـ.
قوله: فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ الخ الفاء ليست لترتيب ما بعدها من الحكم على جواب الملائكة، فإنه محقق أجابوا بذلك أم لا بل لترتيب الأخبار به عليه اهـ أبو السعود.
قوله: (أي بعض المعبودين) وهم الملائكة. وقوله: (لبعض العابدين) وهم الكفار. قوله:
وَنَقُولُ معطوف على لا يملك أي: واليوم نقول الخ اهـ.
قوله: الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ وقع الموصول هنا وصفا للمضاف إليه وفي السجدة وصفا للمضاف في قوله: عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ فقيل: لأنهم ثمة كانوا ملابسين للعذاب كما صرح به في النظم، فوصف لهم ما لابسوه وما هنا عند رؤية النار عقب الحشر فوصف لهم ما عاينوه، وكونه هنا وصفا للمضاف على أن تأنيثه مكتسب تكلف اهـ شهاب.
قوله: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا أي: الدالة على التوحيد بدليل قوله: قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ الخ فلذلك أتى الشارح بمن التبعيضية فقال من القرآن اهـ شيخنا.
قوله: (بلسان نبينا) أشار بهذا إلى مرجع الإشارة في قوله: ما هذا أي: فهي راجعة على التالي المفهوم من تتلى اهـ شيخنا.
قوله: وَقالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً وقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ في تكرير الفعل والتصريح بالفاعل إنكار عظيم له وتعجيب بليغ منه اهـ بيضاوي.
يعني: أنه لما ذكر قوله: قالُوا في جواب قوله: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا كان الظاهر أن يذكر مقول الكفرة بأن يعطف بعضه على بعض بأن يقال: كذا وكذا من غير أن يعاد فعل القول مع كل مقول، وقد أعيد ذلك حيث قيل: قالوا كذا وكذا، ثم قيل وقال الذين كفروا بإعادة الفعل مرة ثالثة، والتصريح