الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 238
ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا فتعلموا ما بِصاحِبِكُمْ محمد مِنْ جِنَّةٍ جنون أَنْ ما هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ أي قبل عَذابٍ شَدِيدٍ (46) في الآخرة إن عصيتموه
قُلْ لهم ما سَأَلْتُكُمْ على الإنذار والتبليغ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ أي لا أسألكم عليه أجرا إِنْ أَجْرِيَ ما ثوابي إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47) مطلع يعلم صدقي
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِ يلقيه إلى أنبيائه عَلَّامُ الْغُيُوبِ (48) ما وقدم مثنى لأن طلب الحقائق من متعاضدين في النظر أجدى من فكرة واحدة، فإن انقدح الحق بين الاثنين فكر كل واحد منهما بعد ذلك فيزداد بصيرة. وقال الشاعر:
إذ اجتمعوا جاؤوا بكل غريبة ... فيزداد بعض القوم من بعضهم علما
اه من البحر.
قوله: (فتعلموا) يحتمل أنه إشارة لتقدير ما ذكر لدلالة التفكر عليه لكونه طريقه، أو أن التفكر مجاز عن العلم، فلذا عمل في الجملة المعلق عنها. وذهب ابن مالك إلى أن تفكر يعلق حملا له على أفعال القلوب، ولو حمل على التضمين لم يبعد والتعبير يصاحبكم للإيماء إلى أن حاله مشهور بينهم اهـ شهاب.
وعبارة البحر: ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا عطف بيان على أن تقوموا، والفكرة هنا في حال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفيما نسبوه إليه، فإن الفكرة تهدي غالبا إلى الصواب، والوقف عند أبي حاتم على قوله: ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ نفي مستأنف، والذي يظهر أن الفعل معلق عن الجملة المنفية فهي في موضع نصب على إسقاط في، انتهت.
قوله: مِنْ جِنَّةٍ مبتدأ مؤخر أو فاعل بالظرف قبله لاعتماده اهـ سمين.
قوله: إِنْ هُوَ أي: المحدث عنه بعينه إلا نذير، أي: خالص إنذاره لكم بين يدي. أي: قبل حلول عذاب شديد، أي: في الآخرة إن عصيتموه اهـ خطيب.
قوله: قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ يحتمل أن تكون ما شرطية مفعولا مقدما، وقوله: فَهُوَ لَكُمْ جوابها، وأن تكون موصولة في محل رفع بالابتداء والعائد محذوف أي: سألتكموه، والخبر فهو لكم، ودخلت الفاء لشبه الموصوف بالشرط، وعلى كل من الاحتمالين فيحتمل أن المعنى أنه لم يسألهم أجرا البتة فيكون كقولك: إن أعطيتني شيئا فخذه مع علمك بأنه لم يعطك شيئا، ويؤيده إن أجري إلا على اللّه، فيكون الكلام كناية عن أنه لم يسأل أصلا لأن ما يسأله السائل يكون له، فجعله للمسؤول منه كناية عن عدم السؤال بالكلية، وهذا الاحتمال هو الذي أشار له الشارح بقوله: (أي: لا أسألكم عليه أجرا الخ) . ويحتمل أنه سألهم شيئا نفعه عائد عليهم، وهو المراد بقوله: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا [الفرقان: 57] وقوله: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [الشورى: 23] واتخاذ السبيل ينفعهم، وقربى رسول اللّه قرباهم اهـ ملخصا من السمين والبيضاوي والشهاب.
قوله: يَقْذِفُ بِالْحَقِ يجوز أن يكون مفعوله محذوفا لأن القذف في الأصل الرمي، وعبر به هنا عن الإلقاء أي: يلقي الوحي إلى أنبيائه بالحق أي: بسبب الحق أو ملتبسا بالحق، ويجوز أن يكون