الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 241
بالواو وبالهمزة بدلها أي تناول الإيمان مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (52) عن محله إذ هم في الآخرة ومحله الدنيا
وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ في الدنيا وَيَقْذِفُونَ يرمون بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (53) أي بما غاب علمه عنهم غيبة بعيدة حيث قالوا في النبي ساحر شاعر كاهن، وفي القرآن سحر شعر كقوله تعالى: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [غافر: 84] أو عند البعث فإن الكفار كلهم يؤمنون حينئذ، ونفى اللّه عنهم نفع الإيمان عنهم بقوله: وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ اهـ زاده.
قوله: وَأَنَّى لَهُمُ أي: من أين لهم، أي: كيف يقدرون على الظفر بالمطلوب، وذلك لا يكون إلا في الدنيا وهم في الآخرة، والدنيا من الآخرة بعيدة، فأنى هنا للاستبعاد، فإن قيل: كيف قال في كثير من المواضع إن الآخرة من الدنيا قريبة وسمى الساعة قريبة، فقال: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ [القمر: 1] اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ [الأنبياء: 1] لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [الشورى: 17] ؟ فالجواب أن الماضي كالأمس الدابر وهو أبعد ما يكون إذ لا وصول إليه، والمستقبل وإن كان بينه وبين الحاضر سنين فإنه آت، فيوم القيامة الدنيا بعيدة منه لمضيها ويوم القيامة في الدنيا قريب لإتيانه اهـ كرخي.
قوله: التَّناوُشُ مبتدأ، وأنّى خبره، أي: كيف لهم التناوش ولهم حال، ويجوز أن يكون لهم رافعا للتناوش لاعتماده على الاستفهام، أي: كيف استقر لهم التناوش وفيه بعد اهـ سمين.
وفي المصباح: ناشه نوشا من باب قال تناوله، والتناوش التناول يهمز ولا يهمز، وتناوشوا بالرماح تطاعنوا بها اهـ.
وفي القرطبي: قال ابن عباس، والضحاك: التناوش الرجعة أي: يطلبون الرجعة إلى الدنيا ليؤمنوا وهيهات من ذلك. وقال السدي: هو التوبة أي: طلبوها وقد بعدت لأنه إنما تقبل التوبة في الدنيا. وقيل: التناوش التناول. قال ابن السكيت: يقال للرجل إذا تناول رجلا ليأخذ برأسه ولحيته ناشه ينوشه نوشا، ومنه المناوشة في القتال وذلك إذا تدانى الفريقان اهـ.
قوله: مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ وهو الآخرة بدليل قوله: (عن محله الخ) اهـ شيخنا.
قوله: وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ الخ أي: ويرجمون بالظن ويتكلمون بما لم يظهر لهم في الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من المطاعن، أو في العذاب من البت على نفيه من مكان بعيد من جانب بعيد من أمره وهو الشبه التي تمحلوها في أمر الرسول وحال الآخرة كما حكاه من قبل، ولعله تمثيل لحالهم في ذلك بحال من يرمي شيئا لا يراه من مكان بعيد لا مجال للظن في لحوقه اهـ بيضاوي.
وهذا استعارة تمثيلية تقريرها أنه شبه حالهم في ذلك أي: في قولهم آمنا به حيث لا ينفعهم الإيمان بحال من رمى شيئا من مكان بعيد وهو لا يراه، فإنه لا يتوهم إصابته ولا لحوقه لخفائه عنه وغاية بعده، فالباء في بالغيب بمعنى في أي في محل غائب عن نظرهم أو للملابسة اهـ شهاب.
قوله: مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ المكان البعيد وهو وهمهم الفاسد وظنهم الخاطىء، وهو بعيد عن رتبة العلم ورتبة الصدق والتحقيق اهـ شيخنا.
قوله: (أي بما غاب) وهو قولهم ساحر الخ. وقوله: (بعيدة) أي: عن الصدق والتحقق اهـ شيخنا.