الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 276
أَغْلالًا بأن تضم إليها الأيدي، لأن الغل يجمع اليد إلى العنق فَهِيَ أي الأيدي مجموعة إِلَى الْأَذْقانِ جمع ذقن وهي مجتمع اللحيين فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) رافعون رؤسهم لا يستطيعون خفضها، وهذا تمثيل، والمراد أنهم لا يذعنون للإيمان ولا يخفضون رؤوسهم له إلى عنقه والتصق الحجر بيده. فقال ابن عباس، وعكرمة وغيرهما: فهو هنا تمثيل أي: هو بمنزلة من غلت يده إلى عنقه، فلما عاد إلى أصحابه أخبرهم بما رأى فقال الرجل الثاني: وهو الوليد بن المغيرة أنا أرضخ رأسه. فأتاه وهو يصلي على حالته ليرميه بالحجر فأعمى اللّه بصره فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه، فقال: واللّه ما رأيته ولقد سمعت صوته، فقال الثالث:
واللّه لأشدخن أنا رأسه، ثم أخذ الحجر وانطلق فرجع القهقهرى ينكص على عقبيه حتى خرّ على قفاه مغشيا عليه، فقيل له: ما شأنك؟ قال: شأني عظيم رأيت الرجل، فلما دنوت منه فإذا فحل يخطر بذنبه ما رأيت قط فحلا أعظم منه حال بيني وبينه فو اللات والعزى لو دنوت منه لأكلني، فأنزل اللّه تعالى:
إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ اهـ قرطبي.
قوله: (بأن تضم إليها الأيدي) وطأ بهذا لأجل إرجاع الضمير في قوله: فَهِيَ (إلى الأيدي) .
وحاصل ما قصده أن الأيدي وإن لم يجر لها في العبادة ذكر، لكن الغل يدل عليها لأنه يجمعها مع الأعناق. وقوله: إِلَى الْأَذْقانِ جعله متعلقا بمحذوف قدره مجموعة، ولو قدره مرفوعة لكان أظهر لأن اليد ترفع تحت الذقن ويلبس الغل ضاما لها وللعنق، فظهر قوله: (رافعون رؤوسهم) أي: تكون الأيدي تحت الأذقان ومحبوسة بالغل فلا يستطيعون خفضها اهـ شيخنا.
وعبارة البيضاوي: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا تقرير لتصميمهم على الكفر والطبع على قلوبهم بحيث لا تغني عنهم الآيات والنذر بتمثيلهم بالذين غلت أعناقهم فهي إلى الأذقان فالأغلال واصلة إلى أذقانهم فلا تخليهم يطأطئون فهم مقمحون رافعون رؤوسهم غاضون أبصارهم في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه، ولا يطأطئون رؤوسهم إليه اهـ.
وقوله: (واصلة إلى أذقانهم) إما لكونه غليظا عريضا يملأ ما بين الصدر والذقن، فعلى هذا تنوين أغلالا للتعظيم، والفاء في قوله: فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ، وفي قوله: فَهُمْ مُقْمَحُونَ فاء النتيجة، ولأنه حينئذ يرفع الرأس إلى فوق، وإما لكون طرف الغل الذي يجمع اليدين إلى العنق يكون في ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة يدخل فيها رأس العمود خارجا من الحلقة إلى الذقن فلا يخليه يطأطىء رأسه فلا يزال مقمحا، والمقمح الذي يرفع رأسه ويغض بصره يقال: قمح البعير فهو قامح إذا رفع رأسه بعد الشرب لارتوائه أو لبرودة الماء أو لكراهة طعمه اهـ زاده وكشاف.
وفي المختار: الأقماح رفع الرأس وغض البصر يقال: أقمحه الغل إذا ترك رأسه مرفوعا من ضيقه اهـ.
وفي القاموس: وأقمح الغل الأسير ترك رأسه مرفوعا لضيقه اهـ.
قوله: (و هذا) أي قوله: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا الخ تمثيل أي: تشبيه أي: للمعنى المذكور بقوله: (و المراد أنهم لا يذعنون الخ) أي: شبهت هيئتهم في عدم تيسر الإيمان لهم للمنع