فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 288
معلقة لما قبلها عن العمل، والمعنى أنا أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ كثيرا مِنَ الْقُرُونِ الأمم أَنَّهُمْ أي المهلكين إِلَيْهِمْ أي المكذبين لا يَرْجِعُونَ (31) أفلا يعتبرون بهم؟ وأنهم الخ، بدل مما قبله قوله: (معمولة لما بعدها الخ) إشارة إلى أن يروا ليس عاملا في كم لأنها إذا كانت خبرية لا يعمل فيها ما قبلها بل ما بعدها، وهو هنا أهلكنا، وهي معلقة لما قبلها وهو يروا عن العمل ذهابا بالخبرية مذهب الاستفهامية، لكن قال ابن هشام: لا يتعين في الآية خبرية كم، بل يجوز كونها استفهامية إلى آخر ما ذكره اهـ كرخي.
قوله: (و المعنى أنا) أَهْلَكْنا أي: قد علموا أنا أهلكنا أي: إهلاكنا للأمم السالفة كثيرا، وقوله: (بدل مما قبله) أي بدل اشتمال لأن إهلاكهم مشتمل ومستلزم لعدم رجوعهم، أو بدل كل نظرا إلى أن إهلاكهم مآله رجوعهم فكأنه عينه، وقوله: (برعاية) المعنى المذكور وهو قوله: أنا أهلكنا الخ المعنى قد علموا إهلاكنا كثيرا من القرون السابقة المشتمل على عدم عودهم أي المهلكين إلى هؤلاء الباقين وهم أهل مكة، فينبغي لهم أن يعتبروا بهم اهـ شيخنا.
وفي السمين: قوله: كَمْ أَهْلَكْنا. كم: هنا خبرية فهي مفعول بأهلكنا تقديره كثيرا من القرون أهلكنا، وهي معلقة ليروا ذهابا بالخبرية مذهب الاستفهامية، وقيل: يروا علمية، وكم استفهامية.
وأنهم إليهم لا يرجعون فيه أوجه.
أحدها: أنه بدل من كم. قال ابن عطية: وكم هنا خبرية وأنهم بدل منها والرؤية بصرية. قال الشيخ: وهذا لا يصح لأنها إذا كانت خبرية كانت في موضع نصب بأهلكنا ولا يسوغ فيها إلا ذلك، وإذا كانت كذلك امتنع أن يكون أنهم بدلا منها، لأن البدل على نية تكرار العامل، ولو سلطت أهلكنا على أنهم لم يصح ألا ترى أنك لو قلت أهلكنا انتفاء رجوعهم أو أهلكنا كونهم لا يرجعون لم يكن كلاما. لكن ابن عطية توهم أن يروا مفعوله كم، فتوهم أن أنهم إليهم لا يرجعون بدل منه، لأنه يسوغ أن يسلط عليه فتقول: ألم يروا أنهم إليهم لا يرجعون، وهذا وأمثاله دليل على ضعفه في علم العربية.
الثاني: قال الزمخشري: ألم يروا. ألم يعلموا وهو معلق عن العمل في كم، لأن كم لا يعمل فيها عامل قبلها سواء كانت للاستفهام أو للخبر، لأن أصلها الاستفهام إلا أن معناها نافذ في الجملة كما نفذ في قولك: ألم يروا أن زيدا لمنطلق وإن لم يعمل في لفظها، وأنهم إليهم لا يرجعون بدل من كم أهلكنا على المعنى لا على اللفظ. تقديره: ألم يروا كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم.
الثالث: أن أنهم معمول لفعل محذوف دل عليه السياق، والمعنى تقديره قضينا وحكمنا أنهم إلينا لا يرجعون. ويدل على صحة هذا قراءة ابن عباس والحسن إنهم بكسر الهمزة على الاستئناف، والاستئناف قطع لهذه الجملة عما قبلها، فهو مقو لأن تكون معمولة لفعل محذوف يقتضي انقطاعها عما قبلها، والضمير في أنهم عائد على معنى كم، وفي إليهم عائد على ما دل عليه واو يروا. وقيل:
بل الأول عائد على ما عاد عليه واو يروا، والثاني عائد على المهلكين اهـ.