فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 307
وَما عَلَّمْناهُ أي النبي الشِّعْرَ ردّ لقولهم أن ما أتى به من القرآن شعر وَما يَنْبَغِي يسهل طمس الأعين ومسخ الذوات اهـ شيخنا.
قوله: (و في قراءة) أي سبعية. وعبارة السمين: وقد تقدم في الأنعام أن نافعا وابن ذكون قرأ تعقلون بالخطاب، والباقون بالغيبة، انتهت.
قوله: (رد لقوهم الخ) فالمعنى ليس القرآن بشعر، لأن الشعر كلام متكلف موضوع ومقال مزخرف مصنوع منسوج على منوال الوزن، والقافية مبني على خيالات وأوهام واهية، فأين ذلك من التنزيل الجليل المنزه عن مماثلة كلام البشر المشحون بفنون الحكم والأحكام الباهرة الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة اهـ أبو السعود.
قوله: وَما يَنْبَغِي لَهُ أي: لا يصح منه ولا يتأتى له. أي: جعلناه بحيث لو أراد إنشاء لم يقدر عليه، أو أراد إنشاده لم يقدر عليه أيضا بالطبع والسجية، فعدم قدرته على الانشاء ظاهر مقرر في النفوس، وعدم قدرته على الانشاد لما روي عن عائشة أنه قيل لها كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان الشعر أبغض الحديث إليه ولم يتمثل إلا ببيت ابن رواحة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالاخبار من لم تزود
فجعل يقول: ويأتيك من لم تزود بالاخبار، فقال أبو بكر: ليس هكذا يا رسول اللّه. فقال: إني لست بشاعر ولا ينبغي لي. وقال العلماء: ما كان يتزن له بيت شعر، وإن تمثل ببيت شعر جرى على لسانه مكسرا اهـ من البيضاوي والخازن.
وكتب الشهاب: قوله: أي ما يصح منه ولا يتأتى له الخ. المراد كما قال ابن الحاجب: لا يستقيم عقلا كقوله: وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [مريم: 92] لأنه لو كان ممن يقول الشعر لتطرقت التهمة عقلا في أن ما جاء به من عند نفسه، ولذا قال: ويحق القول الخ. لأنه لم يبق إلا العناد الموجب للهلاك فظهر ارتباطه بما قبله وما بعده اهـ.
وفي القرطبي ما نصه: وإصابة الوزن منه صلّى اللّه عليه وسلّم في بعض الأحيان لا توجب أنه يعلم الشعر كقوله:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
والمعول عليه في الانفصال على تسليم أن هذا شعر أن التمثيل بالبيت لا يوجب أن يكون قائله عالما بالشعر ولا أن يسمى شاعرا باتفاق العلماء، كما أن من خاط خيطا على سبيل الاتفاق لا يكون خياطا. قال أبو إسحاق الزجاج في قوله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ أي: ما علمناه أن يشعر. أي: ما جعلناه شاعرا وهذا لا ينافي أن ينشىء شيئا من الشعر من غير قصد كونه شعرا. قال النحاس: وهذا أحسن ما قيل هذا، وقد قيل: إنما أخبر اللّه عز وجل أنه ما علمه الشعر ولم يخبر أنه لا ينشىء الشعر، وقد قالوا: كل من قال قولا موزونا لا يقصد به إلى شعر فليس بشاعر، وإنما وافق الشعر فما يجري على اللسان من موزون الكلام لا يعد شعرا، وإنما يعد منه ما يجري على وزن الشعر مع القصد إليه اهـ.