فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 440
تَقْنَطُوا بكسر النون وفتحها، وقرئ بضمها تيأسوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لمن تاب من الشرك إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)
وَأَنِيبُوا ارجعوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا أخلصوا العمل لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (54) بمنعه إن لم تتوبوا
وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ ثم قال: فإن قلت: حمل هذه الآية على ظاهرها إغراء بالمعاصي وإطلاق في الاقدام عليها وذلك لا يليق. قلت: المراد منها التنبيه على أنه لا ينبغي للعاصي أن يظن أنه لا مخلص له من العذاب، فإن من اعتقد ذلك فهو قانط من رحمة اللّه تعالى إذ لا أحد من العصاة إلا وأنه متى تاب زال عقابه وصار من أهل المغفرة والرحمة، فمعنى قوله: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا أي: بالتوبة إذا تاب وصحت توبته فمحت ذنوبه ومن مات قبل أن يتوب فهو موكول إلى مشيئة اللّه تعالى فيه فإن شاء غفر له وعفا عنه وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه ثم يدخله الجنة بفضله ورحمته، فالتوبة واجبة على كل واحد وخوف العقاب قائم، فلعل اللّه يغفر مطلقا ولعله يعذب ثم يغفر بعد ذلك اهـ.
وعبارة النهر: ولما كانت هذه الآية فيها فسحة عظيمة للمسرف أتبعها بأن الإنابة وهي الرجوع مطلوبة مأمور بها، ثم توعد من لم يتب بالعذاب حتى لا يبقى المرء كالمهمل من الطاعة والمتكل على الغفران دون إنابة، انتهت.
وفي هذه الآية من أنواع المعاني والبيان أشياء حسنة، منها: إقباله عليهم ونداؤهم، ومنها:
إضافتهم إليه إضافة تشريف، ومنها: الالتفات من التكلم إلى الغيبة في قوله: مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، ومنها: إضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى، ومنها: إعادة الظاهر بلفظه في قوله: إِنَّ اللَّهَ، ومنها:
إبراز الجملة من قوله: إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ مؤكدة بإن والفصل باعادة الصفتين اللتين تضمنتها الآية السابقة اهـ سمين.
قوله: يا عِبادِيَ بحذف الياء وثبوتها مفتوحة سبعيتان. قوله: الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أي: أفرطوا في الجناية عليها بالإسراف في المعاصي اهـ بيضاوي.
يعني: أن الإسراف مجاز لاستعمال المقيد وهو الإفراط في صرف المال في المطلق، ثم تضمينه معنى الجناية ليصح تعديته بعلى والمضمن لا يلزم فيه أن يكون معناه حقيقيا اهـ شهاب.
قوله: (بكسر النون) أي: من باب جلس. وقوله: (و فتحها) أي: من باب طرب وسلم، وقوله: (و قرئ بضمها) أي: شاذا من باب دخل، ففي المختار: القنوط اليأس وبابه جلس ودخل وطرب وسلم فهو قنط وقنوط وقانط اهـ.
قوله: (إن لم تتوبوا) راجع لقوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ.
قوله: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ الخ قال الحسن: أي: ألزموا طاعة اللّه واجتنبوا معصيته فإنه أنزل في القرآن ذكر القبيح لتجتنبوه، وذكر الأحسن لتؤثروه وتأخذوا به خازن.
وفي البيضاوي: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ أي: القرآن أو المأمور به دون المنهي