الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 37
الحكمة حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ أي القرآن الْحَقُ المنزل من اللّه بالبعث والحساب والعقاب، فيعاقبون على كفرهم به، وبالجاني به أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ فاعل يكف أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ما أطلعهم على تلك الآيات وسيطلعهم عليها بعد ذلك، مع أن الآيات المذكورة قد أطلعوا عليها وهي منهم نصب العين، والجواب: أن المراد على هذا سنريهم أسرار آياتنا الخ. فالآيات وإن اطلعوا عليها بالفعل لكن سرها وحكمتها لم يطلعوا عليه اهـ من الكرخي.
وفي البيضاوي: سنريهم آياتنا في الآفاق يعني ما أخبرهم به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الحوادث الآتية وآثار النوازل الماضية، وما يسر اللّه له ولخلفائه من الفتوح والظهور على ممالك الشرق والغرب على وجه خارق للعادة اهـ.
وفي القرطبي: سنريهم آياتنا في الآفاق أي: علامات وحدانيتنا وقدرتنا في الآفاق. يعني خراب منازل الأمم الماضية، وفي أنفسهم بالبلايا والأمراض. وقال ابن زيد: في الآفاق آيات السماء، وفي أنفسهم حوادث الأرض، وقال مجاهد: في الآفاق فتح القرى فيسر اللّه عز وجل لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وللخلفاء من بعده وأنصار دينه في آفاق الدنيا وبلاد المشرق والمغرب عموما، وفي ناحية المغرب خصوصا من الفتوحات التي لم يتيسر مثلها لأحد من خلفاء الأرض قبلهم، أو من الإظهار على الجبابرة والأكاسرة وتغليب قليلهم على كثيرهم وتسليط ضعفائهم على أقويائهم وإجرائه على أيديهم أمورا خارجة عن المعهود خارقة للعادات، وفي أنفسهم فتح مكة وهو اختيار الطبري. وقال المنهال بن عمرو، والسدي، وقال قتادة والضحاك: وفي الآفاق وقائع اللّه في الأمم وفي أنفسهم في يوم بدر. وقال عطاء، وابن زيد أيضا: وفي الآفاق يعني أقطار السموات والأرض من الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والرياح والأمطار والرعد والبرق والصواعق والنبات والأشجار والجبال والبحار وغيرها. وفي الصحاح: الآفاق النواحي واحدها أفق وأفق مثل عسر وعسر، ورجل أفقي بفتح الهمزة والفاء إذا كان من آفاق الأرض حكاه أبو نصر، وبعضهم يقول أفقي بضمهما وهو القياس وفي أنفسهم من لطيف الصنعة وبديع الحكمة حتى في سبيل الغائط والبول، فإن الرجل يأكل ويشرب من مكان واحد ويتميز ذلك خارجا من مكانين، وحتى في عينيه اللتين ينظر بهما من السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، وفي أذنيه اللتين يفرق بهما بين الأصوات المختلفة وغير ذلك من بديع حكمة اللّه فيه. وقيل: في أنفسهم في كونهم نطفا إلى غير ذلك من انتقال أحوالهم كما تقدم في المؤمنون بيانه، وقيل: المعنى سيرون ما أخبرهم به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الفتن وأخبار الغيوب اهـ بحروفه.
قوله: (من لطيف الصنعة) كالأطوار المذكورة في قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [المؤمنون: 12] الخ اهـ شيخنا.
قوله: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ الخ استئناف وارد لتوبيخهم على ترددهم في شأن القرآن وعنادهم المحوج إلى إيراد الآيات وعدم اكتفائهم بأخباره تعالى، والهمزة للإنكار، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي: ألم يغنهم ولم يكفهم ربك، والياء مزيدة للتوكيد، ولا تكاد تزاد إلا مع كفى اهـ أبو السعود.