الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 26
أي نبي اللّه وبالتخفيف أي في قولهم آمنا
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أي لهؤلاء لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالكفر والتعويق عن الإيمان قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) وليس ما نحن فيه بفساد قال اللّه تعالى ردا على القول بأن كان لها مصدر، وهو الصحيح عند بعضهم للتصريح به في قوله:
ببذل وحلم ساد في قومه الفتى ... وكونك إياه عليك يسير
فقد صرح بالكون، وعلى هذا فلا حاجة إلى ضمير عائد على"ما"لأنها حرف مصدري على الصحيح خلافا للأخفش وابن السراج في جعل المصدرية اسما، ويجوز أن تكون"ما"بمعنى"الذي"وحينئذ فلا بد من تقدير عائد أي بالذي كانوا يكذبونه وجاز حذف العائد لا ستكمال الشروط وهو كونه متصلا منصوبا بفعل وليس ثم عائد آخر اهـ سمين.
قوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ شروع في تعديد بعض قبائحهم. قوله: (أي لهؤلاء) أي المنافقين وهذا استئناف. وقيل: إنه معطوف على"يكذبون"الواقع خبرا لكان. وقيل:
معطوف على يقول الواقع صلة من، وإذا ظرف زمان مستقبل يلزمها معنى الشرط غالبا. وقيل: أصله قول كضرب فاستثقلت الكسرة على الواو، فنقلت إلى القاف بعد سلب حركتها فسكنت الواو بعد كسرة فقلبت ياء. وهذه أفصح اللغات وقائل هذا القول اللّه تعالى أو الرسول أو بعض المؤمنين واللام متعلقة بقيل ومعناها الإنهاء والتبليغ والقائم مقام الفاعل جملة لا تفسدوا، على أن المراد بها اللفظ. وقيل:
هو مضمر يفسره المذكور والفساد خروج الشيء عن الحالة اللائقة والصلاح مقابله والفساد في الأرض تهييج الحروب والفتن المستتبعة لزوال الاستقامة عن أحوال العباد واختلال أمر المعاش والمعاد والمراد بما نهوا عنه ما يؤدي إلى ذلك من إفشاء أسرار المؤمنين إلى الكفار وإغرائهم عليهم وغير ذلك من فنون الشرور، كما يقال للرجل: لا تقتل نفسك بيدك ولا تلق نفسك في النار إذا قدم على ما تلك عاقبته. قوله: قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ جواب،"إذا"وهو العامل فيها أي نحن مقصورون على الإصلاح المحض بحيث لا يتعلق به شائبة والفساد، وهذا الجواب منهم رد للناصح على أبلغ وجه، والمعنى أنه لا تصح مخاطبتنا بذلك، فإن شأننا ليس إلا الإصلاح، وإن حالنا متمحضة عن شوائب الفساد لأن إنما تفيد قصر ما دخلته على ما بعدها مثل: إنما زيد منطلق، وإنما ينطلق زيد، وإنما قالوا ذلك لأنهم تصوروا الفساد بصورة الصلاح لما في قلوبهم من المرض كما قال تعالى: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا [فاطر: 8] . قوله: (ردا عليهم) عبارة السمين والتأكيد بأن وبضمير الفصل وتعريف الخبر للمبالغة في الرد عليهم لما ادعوه من قولهم: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ لأنهم أخرجوا الجواب جملة اسمية مؤكدة بإنما ليدلوا بذلك على ثبوت الوصف لهم فرد اللّه عليهم بأبلغ وأوكد مما ادعوه، انتهت.
قوله: (للتنبيه) أي تنبيه المخاطب للحكم الذي يلقى بعدها اهـ شيخنا.
وعبارة السمين (ألا) حرف تنبيه واستفتاح، وليست مركبة من همزة الاستفهام، ولا النافية بل هي بسيطة، ولكنها لفظ مشترك بين التنبيه والاستفتاح فتدخل على الجملة اسمية كانت أو فعلية وبين العرض والتحضيض فتختص بالأفعال لفظا أو تقديرا اهـ.