فهرس الكتاب

الصفحة 2503 من 2941

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 47

وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ هذا هو المشروع الموصى به والموحى إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهو وسلامه عليهم واحدا بعد واحد وشريعة أثر شريعة حتى ختمها اللّه بخير الملل ملتنا على لسان أكرم الرسل نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم. وكان المعنى أوصيناك يا محمد ونوحا دينا واحدا يعني في الأصول التي لا تختلف فيها الشرائع وهي: التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج والتقرب إلى اللّه بصالح العمل والصدق والوفاء بالعهد وأداء الامانة وصلة الرحمن وتحريم الكفر والقتل والزنا والإذاية للخلق كيفما تصورت، والاعتداء على الحيوان كيفما دار، واقتحام الدناءات وما يعود بخرم المروءات، فهذا كله مشروع دينا واحدا وملة متحدة لم تختلف على ألسنة الأنبياء وإن اختلفت أعذارهم، وذلك قوله تعالى:

أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ أي: اجعلوه دائما قائما مستمرا محفوظا مستقرا من غير خلاف فيه ولا اضطراب، فمن الخلق من وفى بذلك، ومنهم من نكث فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ واختلفت الشرائع وراء هذه في أحكامه حسبما أراد اللّه مما اقتضت المصلحة وأوجبت الحكمة وضعه في الأزمنة على الأمم واللّه أعلم اهـ قرطبي.

قوله: وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ المراد بإيحائه إليه عليه الصلاة والسّلام إما ما ذكر في صدر السورة الكريمة. وفي قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ* الآية أو ما يعمهما وغيرهما مما وقع في سائر المواقع التي من جملتها قوله تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا [النحل: 123] وقوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [الكهف: 110] وغير ذلك والتعبير عن ذلك عند نسبته إليه عليه الصلاة والسّلام بالذي أصل الموصولات لزيادة تفخيمه من تلك الحيثية وإيثار الإيحاء على ما قبله وما بعده من التوصية لمراعاة ما وقع في الآيات المذكورة، ولما في الإيحاء من التصريح برسالته عليه الصلاة والسّلام القامع لانكار الكفرة والالتفات إلى نون العظمة لاظهار كمال الاعتناء بإيحائه وهو السر في تقديمه على ما بعده مع تقدمه عليه زمانا، وتقديم توصية نوح عليه الصلاة والسّلام للمسارعة إلى بيان كون المشروع لهم دينا قديما، وتوجيه الخطاب إليه عليه الصلاة والسّلام بطرق التلوين للتشريف والتنبيه على أنه تعالى شرعه لهم على لسانه عليه الصلاة والسّلام اهـ أبو السعود.

قوله: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ المراد بإقامته تعديل أركانه وحفظه من أن يقع فيه زيغ أو المواظبة عليه والتشمير له اهـ أبو السعود.

قوله: (هذا هو المشروع الخ) أي: أن تفسيرية بمعنى أي اهـ كرخي.

ويجوز أن تكون مصدرية في محل رفع خبر مبتدأ مضمر، تقديره: هو أن أقيموا الخ، أو في محل نصب بدلا من الموصول، أو في محل جر بدلا من الدين اهـ سمين.

وفي أبي السعود: ومحل أن أقيموا إما النصب على أنه بدل من مفعول شرع والمعطوفين عليه، أو الرفع على أنه جواب عن سؤال نشأ من إبهام المشروع كأنه قيل: وما ذاك؟ فقيل: هو إقامة الدين، وقيل: هو بدل من ضمير به وليس بذاك لما أنه مع إفضائه إلى خروجه من حيز الإيحاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مستلزم لكون الخطاب في قوله تعالى: وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ للأنبياء المذكورين عليهم الصلاة والسّلام،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت