الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 48
التوحيد كَبُرَ عظم عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من التوحيد اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ إلى التوحيد مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) يقبل إلى طاعته
وَما تَفَرَّقُوا أي أهل الأديان في الدين، بأن وتوجيه النهي إلى أممهم تمحل ظاهر، مع أن الظاهر أنه متوجه إلى أمته صلّى اللّه عليه وسلّم وأنهم المتفرقون كما ستحيط به خبرا، أي لا تتفرقوا في الدين الذي هو عبارة عما ذكر من الأصول دون الفروع المختلفة حسب اختلاف الأمم باختلاف الأعصار كما ينطق به قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا [المائدة: 48] اهـ.
قوله: (و هو التوحيد) هذا هو المراد بالدين الذي اشترك فيه هؤلاء الرسل وهو المراد من ما في قوله: ما وَصَّى بِهِ نُوحًا وفي قوله: وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ الخ وأما الذي في قوله: وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ فهو أعم من ذلك، لأن المراد به جميع الشريعة المحمدية أصولا وفروعا، فعلى هذا كان ظاهر النظم أن يقال ما وصي به نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى، والذي أوحينا إليك من جميع شريعتك فليتأمل. قوله: (عظم) عَلَى الْمُشْرِكِينَ أي: شق عليهم، وهذا شروع في بيان أحوال بعض من شرع لهم ما شرع من الدين القديم اهـ أبو السعود.
قوله: (من التوحيد) قصر على هذا بقرينة قوله على المشركين، والأولى التعميم لدلالة السياق ولا يمنعه تخصيص المشركين بالذكر كما لا يخفى اهـ كرخي.
قوله: اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ الخ استئناف وارد لتحقيق الحق وفيه إشعار بأن منهم من يجيب إلى الدعوة اهـ أبو السعود.
والاجتباء افتعال من الجباية وهي الجمع قال الراغب: يقال جبيت الماء في الحوض أي:
جمعته، ومنه قوله تعالى: يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ [القصص 57] والاجتباء الجمع على طريق الاصطفاء قال تعالى: قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها [الأعراف: 20] واجتباء اللّه العبد تخصيصه إياه بفيض إلهي لتحصل له أنواع النعم بلا سعي منه اهـ شهاب.
قوله: مَنْ يُنِيبُ ضمنه معنى يميل فعداه بإلى، ولذا قال الشارح يقبل إلى طاعته اهـ.
قوله: ما تَفَرَّقُوا الخ شروع في بيان حال أهل الكتاب عقيب الإشارة الإجمالية إلى أحوال أهل الشرك اهـ أبو السعود.
وفي القرطبي: وما تفرقوا قال ابن عباس يعني قريشا إلا من بعد ما جاءهم العلم يعني محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا يتمنون أن يبعث إليهم نبي دليله قوله تعالى في سورة فاطر: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ [فاطر: 42] يريدون نبيا، وقال في سورة البقرة: فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [البقرة: 89] على ما تقدم بيانه هناك، وقيل: أمم الأنبياء المتقدمين وأنهم فيما بينهم اختلفوا لما طال بهم المدى فآمن قوم وكفر قوم، وقال ابن عباس أيضا: يعني أهل الكتاب دليله في سورة المنفكين:
وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة: 4] فالمشركون قالوا لم خص بالنبوة واليهود حسدوه لما بعث وكذا النصارى بغيا بينهم أي: بغيا من بعضهم على بعض طلبا