فهرس الكتاب

الصفحة 2508 من 2941

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 52

يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ من كل منهم ما يشاء وَهُوَ الْقَوِيُ على مراده الْعَزِيزُ (19) الغالب على أمره

مَنْ كانَ يُرِيدُ بعمله حَرْثَ الْآخِرَةِ أي كسبها وهو الثواب نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ بالتضعيف فيه في الرزق من وجهين، أحدهما: أنه جعل رزقك من الطيبات. والثاني: أنه لم يدفعه إليك مرة واحدة فتبذره. وقال الحسين بن الفضيل: لطيف بهم في القرآن وتفصيله وتفسيره، وقال الجنيد: لطيف بأوليائه حتى عرفوه ولو لطف بأعدائه لما جحدوه، وقال محمد بن علي الكناني: اللطيف من لجأ إليه من عباده إذا يئس من الخلق توكل عليه ورجع إليه، فحينئذ يقلبه ويقبل عليه. وجاء في حديث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن اللّه تعالى يطلع على القبور الدوارس، فيقول اللّه عز وجل انمحت آثارهم واضمحلت صورهم وبقي عليهم العذاب وأنا اللطيف وأنا أرحم الراحمين خففوا عنهم» . وقال أبو علي رضي اللّه عنه:

اللطيف الذي ينشر من عباده المناقب ويستر عليهم المثالب، وعلى هذا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «يا من أظهر الجميل وستر القبيح» . وقيل: هو الذي يقبل القليل ويبذل الجزيل، وقيل: هو الذي يجبر الكسير وييسر العسير، وقيل: هو الذي لا يخاف إلا عدله ولا يرجى إلا فضله، وقيل: هو الذي يعين على الخدمة ويكثر المدحة، وقيل: هو الذي لا يعاجل من عصاه ولا يخيب من رجاه، وقيل هو الذي لا يرد سائله ولا يؤيس آمله، وقيل: هو الذي يعفو عمن يهفو، وقيل: هو الذي يرحم من لا يرحم نفسه، وقيل: هو الذي أوقد في أسرار العارفين من المشاهدة سراجا وجعل لهم الصراط المستقيم منهاجا وأجرى لهم من سحائب بره ماء ثجاجا، وقد مضى في الأنعام قول أبي العالية والجنيد. وقد ذكرنا جميع هذا في الكتاب الأسنى في شرح أسماء اللّه الحسنى عند اسمه اللطيف والحمد للّه اهـ.

قوله: يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ أي: ويحرم من يشاء وفي تفضيل قوم بالمال حكمة ليحتاج البعض إلى البعض كما قال: لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا [الزخرف: 32] وكان هذا لطفا بالعباد ليمتحن الغني بالفقير والفقير بالغني كما قال: وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً [الفرقان: 20] أتصبرون على ما تقدم بيانه اهـ قرطبي.

قوله: (من كل منهم) تفسير لمن فحملها على العموم أي: فالذي يشاء اللّه رزقه هو كل منهم، فلا تنافي بين قوله: من يشاء وبين التعميم الذي ذكره في عباده، وقوله: ما يشاء أي: اللّه من أنواع الرزق، فهو وإن كان يرزق كل ذي روح لكنه فاوت بين المرزوقين في الرزق قلة وكثرة وجنسا ونوعا وحكمة يعلمها هو اهـ شيخنا.

قوله: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ الخ قال القشيري: الظاهر أن الآية في الكافر توسع عليه الدنيا أي لا ينبغي له أن يغتر بذلك لأن الدنيا، لا تبقى، وقال قتادة: إن اللّه يعطي على نية الآخرة ما شاء من أمر الدنيا ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا. وقال أيضا: يقول اللّه تعالى: من عمل لآخرته زدناه في عمله وأعطيناه من الدنيا ما كتبناه له، ومن آثر دنياه على آخرته لم نجعل له نصيبا في الآخرة إلا النار ولم يصب من الدنيا إلا رزقا قد قسمناه له اهـ.

قوله: (و هو الثواب) الحرث في الأصل إلقاء البذر في الأرض ويطلق على الزرع الحاصل منه، ويستعمل في ثمرات الأعمال ونتائجها بطريق الاستعارة المبنية على تشبيهها بالغلال الحاصلة من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت