الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 55
من أموالكم ففعلوا ثم أتوه بها فردها عليهم ونزل قوله تعالى: قل لا أسألكم عليه أجرا أي: على الإيمان أجرا إلا المودة في القربى أي: إلا أن تودوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم، قاله سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب. ثالثهما: قال الحسن معناه إلا أن تودوا اللّه تعالى وتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح، فالقربى على القول الأول القرابة التي بمعنى الرحم، وعلى الثاني بمعنى الأقارب، وعلى الثالث بمعنى القرب والتقرب والزلفى. فإن قيل: طلب الأجرة على تبليغ الوحي لا يجوز لوجوه، أحدها: أنه تعالى حكى عن أكثر الأنبياء التصريح بنفي الطلب للأجرة فقال تعالى في قصة نوح عليه السّلام: وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [الشعراء: 109] الآية. وكذا في قصة هود وصالح ولوط وشعيب عليهم السّلام ورسولنا أفضل الأنبياء، فهو بأن لا يطلب الأجر على النبوة والرسالة أولى.
ثانيها: أنه صلّى اللّه عليه وسلّم صرح بنفي طلب الأجر فقال: قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ [سبأ: 47] قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [الفرقان: 57] . ثالثها: أن التبليغ كان واجبا عليه قال تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: 67] الآية. وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بأقل الناس فضلا عن أعلم العلماء. رابعها: أن النبوة أفضل من الحكمة وقد قال تعالى: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة: 269] وصف الدنيا بأنها متاع قليل فقال: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ[النساء:
77]فكيف يحسن في العقل مقابلة أشرف الأشياء بأخس الأشياء. خامسها: أن طلب الأجر يوجب التهمة وذلك ينافي القطع بصحة النبوة، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يطلب أجرا البتة على التبليغ والرسالة، وههنا قد ذكر ما يجري مجرى طلب الأجرى وهو المودة في القربى. أجيب:
بأنه لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ. وأما قوله تعالى: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى فالجواب عنه من وجهين، الأول: أن هذا على حد قوله: ولا عيب فيهم البيت يعني أني لا أطلب منكم إلا هذا، وهذا في الحقيقة ليس أجرا، لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب. قال تعالى:
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [التوبة: 71] وقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «المؤمنون كالبنيان يشد بعضه بعضا» والآيات والأخبار في هذا كثيرة، وإذا كان حصول المودة بين المسلمين واجبا فحصولها في حق أشرف المرسلين أولى فقوله تعالى: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى تقديره: والمودة في القربى ليست أجرا فرجع الحاصل إلى أنه لا أجر البتة. الثاني: أن هذا استثناء منقطع كما مرّ تقديره في الآية، وتم الكلام عند قوله: لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ثم قال: إلا المودة في القربى أي: أذكركم قرابتي فيكم فكأنه في اللفظ أجر وليس بأجر. واختلفوا في قرابته صلّى اللّه عليه وسلّم فقيل: هم فاطمة وعلي وأتباعهما وفيهم نزل: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: 33] وروى زيد بن أرقم عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وأهل بيتي أذكركم اللّه في أهل بيتي» قيل لزيد بن أرقم: فمن أهل بيته؟ فقال: هم آل علي وآل جعفر وآل عباس. وروى ابن عمر بن أبي بكر قال: ارقبوا محمدا في أهل بيته، وقيل: هم الذين تحرم عليهم الصدقة من أقاربه ويقسم فيهم الخمس، وهم بنو هاشم وبنو المطلب الذين لم يفترقوا جاهلية ولا إسلاما. وقيل: هذه الآية منسوخة، وإليه ذهب الضحاك بن مزاحم، والحسين بن الفضيل. قال البغوي: وهذا قول غير مرضي لأن مودة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم،