الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 59
يُنَزِّلُ بالتخفيف والتشديد من الأرزاق بِقَدَرٍ ما يَشاءُ فيبسطها لبعض عباده دون بعض وينشأ عن البسط البغي إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27)
وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ المطر مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا يئسوا من نزوله وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ يبسط مطره وَهُوَ الْوَلِيُ المحسن للمؤمنين الْحَمِيدُ (28) المحمود وفي القرطبي: قال ابن عباس: بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة ودابة بعد دابة ومركبا بعد مركب وملبسا بعد ملبس، وقيل: أراد لو أعطاهم الكثير لطلبوا أكثر منه لقوله عليه الصلاة والسّلام: «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثا» ، وهذا هو البغي وهو قول ابن عباس، وقيل: لو جعلناهم سواء في المال لما انقاد بعضهم لبعض ولتعطلت الصنائع، وقيل: أراد بالرزق المطر الذي هو سبب الرزق أي: لو دام المطر لتشاغلوا به عن الدعاء فيقبض تارة ليتضرعوا ويبسط أخرى ليشكروا، وقيل:
كانوا إذا أخصبوا غار بعضهم على بعض فلا يبعد حمل البغي على هذا، وقال الزمخشري: لبغوا من البغي وهو الظلم أي: لبغى هذا على ذاك وذاك على هذا، لأن الغنى مبطرة مأشرة وكفى بحال قارون عبرة. قال علماؤنا: أفعال الرب سبحانه لا تخلو عن مصالح، وإن لم يجب على اللّه الاستصلاح فقد يعلم من حال عبده أنه لو بسط عليه الرزق قاده ذلك إلى الفساد فيزوي عنه الدنيا مصلحة له، فليس ضيق الرزق هوانا ولا سعة الرزق فضيلة، وقد أعطى قوما مع علمه بأنهم يستعملونه في الفساد، ولو فعل بهم خلاف ما فعل فكانوا أقرب من الصلاح، والأمر على الجملة مفوض إلى مشيئته ولا يمكن التزام مذهب الاستصلاح في كل فعل من أفعال اللّه تعالى. وروى أنس عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال: إن من عبادي المؤمنين من يسألني الباب من العبادة وإني عليم أني لو أعطيته إياه لدخله العجب فأفسده، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده الفقر، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده الغنى، إني لأدبر عبادي لعلمي بقلوبهم فإني عليم خبير، ثم قال أنس: اللهم إني من عبادك المؤمنين الذين لا يصلحهم إلا الغنى فلا تفقر برحمتك اهـ.
قوله: (بالتخفيف وضده) سبعيتان وقوله: بقدر أي: تقدير. قوله: (و ينشأ عن البسط) أي:
للبعض البغي أي: من ذلك البعض، وهذا حاصل بالفعل وهو لا يرد على الآية لما علمت من حملها على العموم في البسط والبغي اهـ شيخنا.
قوله: يُنَزِّلُ الْغَيْثَ بالتضعيف والتشديد أيضا سبعيتان اهـ شيخنا.
قوله: مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا ما مصدرية أي؛ من بعد قنوطهم، والعامة على فتح النون. وقرأ يحيى بن وثاب، والأعمش بكسرها وهي لغة، وعليها قرئ لا تقنطوا بفتح النون في المتواتر ولم يقرأ بالكسر في الماضي إلا شاذا اهـ سمين.
قوله: رَحْمَتَهُ فسرها الشارح بالمطر، فيكون قد ذكر المطر باسمين الغيث لأنه يغيث من الشدائد والرحمة لأنه رحمة وإحسان اهـ شيخنا.
وفي أبي السعود: وينشر رحمته أي بركات الغيث. ومنافعه في كل شيء من السهل والجبل والنبات والحيوان، أو رحمته الواسعة المنتظمة لما ذكر انتظاما أوليا اهـ.