فهرس الكتاب

الصفحة 2517 من 2941

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 61

كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ أي كسبتم من الذنوب، وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تزاول بها وَيَعْفُوا عَنْ وقال قوم منهم أبو البقاء إنها شرطية حذفت منها الفاء قال أبو البقاء: كقوله تعالى: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام: 121] وقول الآخر من يفعل الحسنات اللّه يشكرها.

وليس هذا مذهب الجمهور إنما قال به الأخفش وبعض البغداديين، وأما الآية فقوله: إنكم لمشركون ليس جوابا للشرط إنما هو جواب لقسم مقدر حذفت لامه الموطئة قبل أداة الشرط، وأما القراءة الثانية فالظاهر أنها فيها شرطية ولا يلتفت لقول أبي البقاء أنه ضعيف، ويجوز أن تكون الموصولة والفاء داخلة في الخبر تشبيها للموصول بالشرط بشروط ذكرتها مستوفاة في هذا الموضوع بحمد اللّه تعالى، وقد وافق نافع وابن عامر مصاحفهما، فإن الفاء ساقطة من مصاحف المدينة والشام، وكذلك الباقون فإنها ثابتة في مصاحف مكة والعراق اهـ.

قوله: (تزاول) أي: تعالج وتحصل بها اهـ شيخنا.

وفي المختار: والمزاولة المحاورة والمعالجة وتزاولوا تعالجوا اهـ.

قوله: وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ من تتمة قوله فبما كسبت أيديكم أي: أن الذنوب قسمان، قسم يعجل العقوبة عليه في الدنيا بالمصائب، وقسم يعفو عنه فلا يعاقب عليه بها وما يعفو عنه أكثر اهـ شيخنا.

وفي القرطبي: والمصيبة هنا الحدود على المعاصي قاله الحسن، وقال الضحاك: ما تعلم الرجل القرآن ثم نسيه إلا بذنب قال اللّه تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ثم قال: وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن؟ ذكره ابن المبارك. عن ابن عبد العزيز بن أبي رواد عنه قال أبو عبيد:

إنما هذا على الترك فأما الذي هو دائم في تلاوته حريص على حفظه إلا أن النسيان يغلبه فليس من ذلك في شيء، وقال علي رضي اللّه عنه: وهذا الآية أرجى آية في كتاب اللّه عز وجل، وإذا كان يكفر عني بالمصائب ويعفو عن كثير فأي شيء يبقى بعد كفارته وعفوه؟ وقد روي هذا المعنى مرفوعا عنه رضي اللّه عنه، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. قال علي بن أبي طالب: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب اللّه، حدثنا بها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ الآية. يعني ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، واللّه أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة، وما عفا عنه في الدنيا فاللّه أحلم من أن يعاقب به بعد عفوه، وقال الحسن: لما نزلت هذه الآية قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما من اختلاج عرق ولا خدش عود ولا نكتة حجر إلا بذنب وما يعفو اللّه عنه أكثر» . وقال الحسن: دخلنا على عمران بن الحصين، فقال رجل: لا بد أن أسألك عما أرى بك من الوجع فقال عمران: يا أخي لا تفعل فو اللّه إني لا أحب الوجع، ومن أحبه كان أحب الناس إلى اللّه قال اللّه تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، فهذا مما كسبت يدي وعفو ربي عما بقي أكثر. وقال أحمد بن أبي الحواري: قيل لأبي سليمان الداراني: ما بال العلماء أزالوا اللوم عمن أساء إليهم؟ فقال: لأنهم علموا أن اللّه تعالى إنما ابتلاهم بذنوبهم. قال تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وقال عكرمة: ما من نكبة أصابت عبدا فما فوقها إلا بذنب لم يكن اللّه ليغفره إلا بها، أو لنيل درجة لم يكن ليوصله إليها إلا بها. وروي أن رجلا قال لموسى: يا موسى سل اللّه لي في حاجة يقضيها لي هو أعلم بها ففعل موسى، فلما نزل إذا هو بالرجل قد مزق السبع لحمه وقتله، فقال موسى: يا رب ما بال هذا؟ فقال اللّه تعالى: يا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت