الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 74
المنام أو بالإلهام أَوْ إلا مِنْ وَراءِ حِجابٍ بأن يسمعه كلامه ولا يراه، كما وقع لموسى عليه السّلام أَوْ إلا أن يُرْسِلَ رَسُولًا ملكا كجبريل فَيُوحِيَ الرسول إلى المرسل إليه، أي يكلمه بِإِذْنِهِ أي اللّه ما يَشاءُ اللّه إِنَّهُ عَلِيٌ عن صفات المحدثين حَكِيمٌ (51) في وقعت أحوالا، فإنه وإن صح في الوحي والإرسال لا يصح من وراء حجاب، فإنه متعلق بمصدر محذوف أي: إسماعا من وراء حجاب، ولا يكون عطفا على أن يكلمه اللّه لأنه فاسد. قال مكي: لأنه يلزمه نفي الرسل أو نفي المرسل إليهم اهـ.
قال الراغب: ومعنى الوحي الإشارة السريعة يقال: أمر وحي أي: سريع ثم اختص في عرف اللغة بالأمر الإلهي الملقى إلى الأنبياء، وقول البيضاوي: كلاما خفيا تفسير لقوله وحيا وإشارة إلى أن المراد به هنا الكلام الخفي المدرك بسرعة فالاستثناء متصل، وقيل: إنه منقطع، وقوله: لأنه تمثيل أن:
لأن الوحي تمثيل المراد به تصوير المعنى ونقشه في ذهن السامع، وليس مثلا كلامنا حتى يحتاج إلى صوت وترتيب حروف فيكون خفيا سريعا ولا بعد فيه كما يشاهد في كلامنا النفسي فهو تعليل للخفاء مع السرعة لا للأول فقط اهـ شهاب.
وفي المصباح: الوحي الإشارة والرسالة والكتابة وكل ما ألقيته إلى غيرك ليعلمه وحي كيف كان قاله ابن فارس، وهو مصدر وحى إليه يحي من باب وعى وأوحى إليه بالألف مثله وجمعه وحي والأصل فعول مثل فلوس وبعض العرب تقول وحيت إليه ووحيت له وأوحيت إليه وله، ثم غلب استعمال الوحي فيما يلقى إلى الأنبياء من عند اللّه تعالى ولغة القرآن الفاشية أوحى بالألف اهـ.
قوله: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا قرأ نافع يرسل برفع اللام وكذلك فيوحي فسكنت ياؤه، والباقون بنصبهما. فأما القراءة الأولى ففيها ثلاثة أوجه، أحدها: أنه رفع على إضمار مبتدأ أي: أو هو يرسل.
الثاني: أنه عطف على وحيا على أنه حال لأن وحيا في تقدير الحال أيضا، فكأنه قال: إلا موحيا أو مرسلا. الثالث: أن يعطف على ما يتعلق به من وراء إذ تقديره أو يسمع من وراء حجاب ووحيا في موضع الحال عطف عليه ذلك المقدر المعطوف عليه أو يرسل، والتقدير إلا موحيا أو مسمعا من وراء حجاب أو مرسلا. وأما الثانية ففيها ثلاثة أوجه. أحدها: أن يعطف على المضمر الذي يتعلق به من وراء حجاب إذ تقديره: أو يكلمه من وراء حجاب وهذا الفعل المقدر معطوف على وحيا، والمعنى إلا بوحي أو إسماع من وراء حجاب أو إرسال رسول، ولا يجوز أن يعطف على يكلمه لفساد المعنى.
قلت: إذ يصير التقدير وما كان لبشر أن يرسله اللّه رسولا فيفسد لفظا ومعنى، وقال مكي: لأنه يلزم منه نفي الرسل ونفي المرسل إليهم. الثاني: أن ينصب بأن مضمرة وتكون هي وما نصبته معطوفين على وحيا، ووحيا حال فتكون هنا أيضا حالا، والتقدير إلا موحيا أمر مرسلا. والثالث: أنه عطف على معنى وحيا فإنه مصدر مقدر بأن، والفعل والتقدير إلا بأن يوحى إليه أو بأن يرسل ذكره مكي وأبو البقاء، وقوله: أو من وراء حجاب العامة على الإفراد، وابن أبي عبلة حجب جمعا، وهذا الجار يتعلق بمحذوف تقديره أو يكلمه من وراء حجاب، وقد تقدم أن هذا الفعل معطوف على معنى وحيا أي: أن يوحي أو يكلمه. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن تتعلق من بيكلم الموجودة في اللفظ لأن ما قبل الاستثناء