الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 186
قتلوا تغليبا:
وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها بينها لَهُمْ (6) فيهتدون إلى مساكنهم منها وأزواجهم وخدمهم من غير استدلال:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ أي دينه ورسوله يَنْصُرْكُمْ على عدوكم وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (7) يثبتكم في المعترك:
وَالَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة مبتدأ خبره تعسوا يدل عليه فَتَعْسًا قوله سيهديهم الخ متناولا للدنيا والآخرة كما صنع، ولو حمل على الآخرة فقط كما صنع غيره لم يحتج لهذا التكلف اهـ شيخنا.
قوله: عَرَّفَها لَهُمْ الجملة مستأنفة أو حالية بتقدير قد أو بدون تقديرها اهـ سمين.
قوله: (بيّنها) لَهُمْ عبارة البيضاوي: عرفها لهم أي: في الدنيا حتى اشتاقوا إليها فعملوا ما استحقوها به أو بينها لهم بحيث يعلم كل واحد منزله ويهتدي إليه كأنه كان ساكنه منذ خلق، أو طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة، أو حددها لهم بحيث يكون لكل واحد جنة مفرزة اهـ.
وفي القرطبي: ويدخلهم الجنة عرفها لهم أي: إذا دخلوها يقال لهم تفرقوا إلى منازلكم فهم أعرف بمنازلهم من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم قال معناه مجاهد وأكثر المفسرين، وفي البخاري ما يدل على صحة القول عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فو الذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة من منزله الذي كان في الدنيا» . وقيل: عرفها لهم أي:
بيّنها لهم حتى عرفوها من غير استدلال. قال الحسن: وصف اللّه تعالى لهم الجنة في الدنيا، فلما دخلوها عرفوها بصفتها، وقيل: فيه حذف أي: عرف طرقها ومساكنها وبيوتها لهم، فحذف المضاف، وقيل هذا التعريف بدليل وهو الملك الموكل بعمل العبد يمشي بين يديه ويتبعه العبد حتى يأتي العبد منزله ويعرفه الملك جميع ما جعل له في الجنة، وحديث أبي سعيد الخدري يرده، وقال ابن عباس:
عرفها لهم بأنواع الملاذ مأخوذ من العرف وهو الرائحة الطيبة، وطعام معرف أي مطيب، تقول العرب:
عرفت القدر إذا طيبتها بالملح والأبازير، وقيل: هو من وضع الطعام بعضه على بعض وهو من العرف المتتابع كعرف الفرس، أي: وفقهم للطاعة حتى استوجبوا الجنة، وقيل: عرف أهل السماء أنها لهم، وقيل: عرفها لهم إظهارا لكرامتهم فيها، وقيل: عرف المطيعين أعمالهم اهـ.
قوله: (يثبتكم في المعترك) أشار به إلى التجوز في قوله أقدامكم فالمراد بها الذوات بتمامها وعبّر بالقدم لأن الثبات والتزلزل يظهران فيها اهـ شيخنا.
قوله: (مبتدأ خبره تعسوا) وهو الناصب لمصدره المذكور اهـ شيخنا.
والمناسب تقدير هذا الخبر بعد الفاء كأن يقول: فتعسوا تعسا. وفي السمين: وتعسا منصوبا بالخبر المقدر ودخلت تشبيها للمبتدأ بالشرط اهـ.
وفي المختار: التعس الهلاك وأصله الكب وهو ضد الانتعاش وقد تعس من باب قطع وأتعسه اللّه، ويقال تعسا لفلان أي: ألزمه اللّه هلاكا اهـ.
وفي المصباح: وتعس تعسا من باب تعب لغة فهو تعس مثل تعب ويتعدى بالحركة وبالهمزة،