الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 195
في كل يوم مائة مرة» وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ فيه إكرام لهم بأمر نبيهم بالاستغفار لهم وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ متصرفكم لاشغالكم بالنهار وَمَثْواكُمْ (19) مأواكم إلى مضاجعكم بالليل، أي هو عالم بجميع أحوالكم لا يخفى عليه شيء منها فاحذروه، والخطاب للمؤمنين وغيرهم:
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا طلبا للجهاد لَوْ لا هلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فيها ذكر الجهاد فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ أي لم ينسخ منها شيء وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ أي طلبه رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي شك وهم ومصالحهم حتى يرى أنه قد شغل بذلك، وإن كان من أعظم طاعة وأشرف عبارة وأرفع مقام مما هو فيه وهو التفرد بربه عز وجل وصفاء وقته معه وخلوص همه من كل شيء سواه، فلهذا السبب كان صلّى اللّه عليه وسلّم يستغفر اللّه فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين، وقيل: هو مأخوذ من الغين وهو الغيم الرقيق الذي يغشي السماء، فكان هذا الشغل ولهم يغشى قلبه صلّى اللّه عليه وسلّم ويغطيه عن غيره فكان يستغفر اللّه عز وجل منه، وقيل: هذا الغين هو السكينة التي تغشى قلبه صلّى اللّه عليه وسلّم، وسبب استغفاره لها إظهار العبودية والافتقار إلى اللّه عز وجل.
وحكى الشيخ محيي الدين النواوي رضي اللّه عنه، عن القاضي عياض أن المراد به الفترات والغفلات عن الذكر الذي كان شأنه صلّى اللّه عليه وسلّم الدوام عليه، فإذا فتر وغفل عدّ ذلك ذنبا واستغفر منه، وحكى الوجوه المتقدمة عنه وعن غيره. وقال الحرث المحاسبي: خوف الأنبياء والملائكة خوف إعظام وإجلال وإن كانوا آمنين من عذاب اللّه تعالى، وقيل: يحتمل أن هذا الغين حالة حسنة وإعظام يغشى القلب ويكون استغفاره شكرا كما قال: أفلا أكون عبدا شكورا: وقيل في معنى الآية: استغفر لذنبك أي لذنوب أهل بيتك وللمؤمنين والمؤمنات، يعني من غير أهل بيته، وهذا إكرام من اللّه عز وجل لهذه الأمة حيث أمر اللّه أن يستغفر لذنوبهم وهو الشفيع المجاب فيهم اهـ بحروفه.
قوله: (بالاستغفار لهم) أي واستغفاره صلّى اللّه عليه وسلّم مقبول. قوله: (متصرفكم) أي تصرفكم كما في بعض النسخ، وقوله: لاشغالكم وفي الخازن: واللّه يعلم متقلبكم ومثواكم قال ابن عباس، والضحاك:
متقلبكم يعني متصرفكم ومنتشركم في أعمالكم في الدنيا، ومثواكم يعني مصيركم إلى الجنة أو إلى النار، وقيل: متقلبكم في أشغالكم بالنهار، ومثواكم بالليل إلى مضاجعكم، وقيل: متقلبكم من أصلاب الاباء إلى أرحام الأمهات وبطونهن ومثواكم في الدنيا وفي القبور، والمعنى أنه تعالى عالم بجميع أحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها وإن دق وخفي اهـ.
وفي المصباح: ثوى بالمكان وفيه ربما يتعدى بنفسه فثوى ثواء بالمد أقام فهو ثاو، وفي التنزيل:
وما كنت ثاويا في أهل مدين، وأثوى بالألف لغة وأثويته فيكون الرباعي لازما ومتعديا والمثوى بفتح الميم والواو المنزل، والجمع المثاوي بكسر الواو، وفي الأثر وأصلحوا مثاويكم اهـ.
قوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا الخ من هنا إلى آخر السورة لا يظهر إلا كونه مدنيا إذ القتال لم يشرع إلا بالمدينة وكذلك النفاق لم يظهر إلا بها، فيحمل القول فيما تقدم بأنها مكية على أغلبها وأكثرها، وكذا يحمل القول بأنها مدنية على البعض منها. قوله: (طلبا للجهاد) تعليل ليقولوا. قوله: (أي طلبه) أي: ذكر فيها الأمر بالجهاد والتحريض عليه. قوله: (أي شك) وقيل: ضعف في الدليل، وأصل