الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 197
أعرضتم عن الإيمان أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (22) أي تعودوا إلى أمر الجاهلية من البغي والقتال:
أُولئِكَ أي المفسدون الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ عن استماع الحق وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (23) عن طريق الهدى:
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ فيعرفون الحق أَمْ بل عَلى قُلُوبٍ لهم كل من الاستفهام والترجي ونصه: فهل عسيتم أي فهل يتوقع منكم إن توليتم الخ. وفي الكرخي:
ومرجع معنى التوقيع إلى الخلق كقوله: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: 147] فلا يرد كيف يصح في كلام اللّه عز وجل وهو عالم بما كان وما يكون، وإيضاح الجواب قول القاضي، والمعنى أنهم لضعفهم في الدين وحرصهم على الدنيا أحقاء بأن يتوقع ذلك منهم من عرف حالهم ويقول لهم هل عسيتم، وبيانه أن مقصوده دفع ما عسى أن يقال إن الظاهر في مثله التوقع من المتكلم وكيف يصح ذلك من اللّه تعالى اهـ.
قوله: (إن توليتم) اختلف في معنى قوله إن توليتم أي: وإن توليتم الحكم فجعلتم حكاما أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرشا، وقال الكلبي: أي فهل عسيتم إن توليتم أمر الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم. وقال: المعنى فهل عسيتم إن توليتم الأم أن يقتل بعضكم بعض، وقيل: معناه الإعراض عن الشيء. قال قتادة: أي فهل عسيتم إن توليتم عن كتاب اللّه عز وجل أن تفسدوا في الأرض بسفك الدماء الحرام وتقطعوا أرحامكم، وقال ابن جريج: فهل عسيتم إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي وقطع الأرحام، وقال بعضهم: فهل عسيتم أي فلعلكم إن أعرضتم عن القتال وفارقتم أحكامه أن تفسدوا في الأرض فتعودوا إلى جاهليتكم اهـ قرطبي.
قوله: (أعرضتم عن الإيمان) أي: الذي تلبستم به ظاهرا شيخنا.
قوله: أَنْ تُفْسِدُوا خبر عسى، والشرط معترض بينهما، وجوابه محذوف لدلالة فهل عسيتم عليه أو هو نفس، فهل عسيتم عند من يرى تقديمه اهـ سمين.
قوله: أُولئِكَ مبتدأ والموصول خبره، والتقدير: أولئك المفسدون يدل عليه ما تقدم، وقوله:
فأصمهم لم يقل فاصم آذانهم كما قال وأعمى أبصارهم، ولم يقل وأعماهم لأنه لا يلزم من ذهاب الأذن ذهاب السماع فلم يتعرض لها، والأعين يلزم من ذهابها ذهاب الإبصار اهـ سمين.
وفي الإشارة التفات للإيذان بأن ذكر جناياتهم أوجب إسقاطهم على رتبة الخطاب وحكاية أحوالهم الفظيعة لغيرهم اهـ أبو السعود.
قوله: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ يعني يتفكرون فيه وفي مواعظه وزواجره، وأصل التدبر التفكير في عاقبة الشيء وما يؤول إليه أمره، وتدبر القرآن لا يكون إلا مع حضور القلب وجمع الفهم وقت تلاوته، ويشترط فيه تقليل الغذاء من الحلال الصرف وخلوص النية اهـ خازن.
فإن قيل: قد أخبر تعالى بأنه أصمهم وأعمى أبصارهم، فكيف يوبخهم على ترك التدبر، فهذا كقولك للأعمى ابصر وللأصم اسمع؟ أجيب: بوجوه، الأول: إن التكليف بما لا يطاق جائز وقد أمر اللّه من علم أنه لا يؤمن بالإيمان، فلذلك وبخهم على ترك التدبر مع كونه أصمهم وأعمى أبصارهم.