الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 238
بحائط ونحوه، كأن كل واحد منهم نادى خلف حجرة، لأنهم لم يعلموه في أي حجرة، ومناداة الأعراب بغلظة وجفاء أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (4) فيما فعلوه محلك الرفيع وما يناسبه من بمعنى خلف وبمعنى قدام ومن ابتدائية اهـ بيضاوي.
وقوله: خلفها أو قدامها الذي صرح به القرطبي أنهم نادوا من المسجد فيكونون قدامها لأن أبوابها كانت تفتح في المسجد ونصه: إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون. قال مجاهد وغيره: نزلت في أعراب بني تميم قدم وفد منهم على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فدخلوا المسجد ونادوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من وراء الحجرات أن اخرج إلينا، فإن مدحنا زين وذمنا شين، وكانوا سبعين رجلا قدموا لفداء ذراري لهم، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نام للقائلة، وقال مقاتل: كانوا تسعة نفر، قيس بن عاصم، والزبرقان بن بدر، والأقرع بن حابس، وسويد بن هاشم، وخالد بن مالك، وعطاء بن حابس، والقعقاع بن معبد، ووكيع ابن وكيع، وعيينة بن حصن وهو الأحمق المطاع. وسئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال هم جفاة بني تميم: لو لا أنهم من أشد الناس قتالا للأعور الدجال لدعوت اللّه عليهم أن يهلكهم، وقيل: كانوا جاؤوا شفعاء في أسارى بني عنبر، فأعتق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نصفهم وفادى النصف ولو صبروا لأعتق جميعهم بغير فداء اهـ.
وعبارة الخازن: قال ابن عباس: بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سرية إلى بني العنبر، وأمّر عليهم عيينة بن حصن الفزاري، فلما علموا أنه توجه نحوهم هربوا وتركوا عيالهم فسباهم عيينة وقدم بهم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فجاءه بعد ذلك رجالهم يفتدون الذراري فقدموا وقت الظهيرة ووافقوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قائلا في أهله، فلما رأتهم الذراري أجهضوا إلى آبائهم يبكون، وكان لكل امرأة من نساء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حجرة فعجلوا أن يخرج إليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فجعلوا ينادون: يا محمد اخرج إلينا، فنزل عليه جبريل فقال:
إن اللّه يأمرك أن تجعل بينك وبينهم رجلا فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أترضون أن يكون بيني وبينكم شبرمة بن عمرو وهو على دينكم؟» قالوا: نعم، قال شبرمة: أنا لا أحكم وعمرو شاهد وهو الأعور بن بشامة فرضوا به، فقال الأعور: أرى أن تفادي نصفهم وتعتق نصفهم، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: قد رضيت ففادى نصفهم وأعتق نصفهم، فأنزل اللّه عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ الآية، اهـ.
قوله: (ما يحجر عليه) أي: يحوط عليه لمنعه من الدخور، فالحجرة القطعة من الأرض المحجورة بحائط أو نحوه فهي فعلة بمعنى مفعوله كالغرفة والقبضة اهـ بيضاوي.
قوله: (كأن كل واحد منهم الخ) هذه الصيغة لا جزم فيها، لأن المقام مقام تردد، وعبارة البيضاوي: ومناداتهم من وراء الحجرات إما بأنهم أتوها حجرة حجرة، فنادوه من ورائها أو بأنهم تفرقوا على الحجرات متطلبين له، فنادى كل واحد على حجرة، انتهت.
قوله: (مناداة الاعراب) معمول لينادونك. قوله: أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ المراد بالأكثر الكل، لأن العرب قد تفعل هكذا أي تذكر الأكثر وتريد الكل اهـ شيخنا.
قوله: (محلك الرفيع) معمول ليعقلون، وفي نسخة بمحلك الرفيع معمول لفعلوه، فالمحل على الأول المكانة، وعلى الثاني المحسوس وهو داره ومكانه اهـ شيخنا.