الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 241
فإن اللّه يخبره بالحال لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ الذي تخبرون به على خلاف الواقع فيرتب على ذلك مقتضاه لَعَنِتُّمْ لأثمتم دونه إثم التسبب إلى المرتب وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ حسنه فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ استدراك من حيث المعنى دون اللفظ، لأن من حبب إليه الإيمان الخ، غايرت صفته صفة من تقدم ذكره أُولئِكَ هُمُ فيه التفات عن الخطاب الرَّاشِدُونَ (7) الثابتون على دينهم
فَضْلًا مِنَ اللَّهِ مصدر منصوب بفعله المقدر أي أفضل يجب تغييرها أو كائنين على حالة كذلك، وهي أنكم تودون أن يتبعكم في كثير من الحوادث ولو فعل ذلك لوقعتم في الجهل والهلاك، وفيه إيذان بأن بعضهم زيّن لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقع في بني المصطلق وأنه لم يطع رأيهم. هذا ويجوز أن يكون لو يطيعكم مستأنفا، إلا أن الزمخشري منع هذا الاحتمال لأدائه إلى تناقض النظم ولا يظهر ما قاله بل الاستئناف واضح أيضا، وأتى بالمضارع بعد لو دلالة على أنه كان في إرادتهم استمرار عمله على ما يريدون اهـ سمين وأبو السعود.
قوله: (فيرتب على ذلك مقتضاه) لما كان في الملازمة خفاء أشار إلى إيضاحها بتقدير هذه الجملة، وقوله: دونه أي فلا يأثم بعذره، وقوله: إثم التسبب أي: لا إثم الفعل لأنكم لم تفعلوا، وقوله: إلى المرتب أي الذي يرتبه النبي على إخباركم ويفعله كقتال بني المصطلق اهـ شيخنا.
قوله: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ أي: الكامل وهو عبارة عن التصديق بالجنان والاقرار باللسان والعمل بالاركان، وإذا حبب إليهم هذا الإيمان المستجمع للخصال الثلاث لزم كراهتهم لأضدادها، فلذلك قال: وكره إليكم الكفر الذي هو التكذيب، وهذا في مقابلة التصديق بالجنان والفسوق الذي هو الكذب كما قاله ابن عباس، وهذا في مقابلة الاقرار باللسان الصادق والعصيان الذي هو المعاصي، وهذا في مقابلة العمل الصالح بالأركان اهـ من الخطيب بإيضاح.
قوله: (استدراك من حيث المعنى الخ) فيه إشارة إلى وجه الارتباط بينه وبين ما قبله ويوضحه قول الكشاف، فإن قلت: كيف موقع لكن وشرطيتها مفقودة من مخالفة ما بعدها لما قبلها نفيا وإثباتا؟
قلت: هي مفقودة من حيث اللفظ حاصلة من حيث المعنى، لأن الذين حبب إليهم الإيمان قد غايرت صفتهم صفة المتقدم ذكرهم، فوقعت لكن في موضعها من الاستدراك اهـ كرخي.
وهذا مبني على تقدير أن يكون المخاطبون بقوله: لو يطيعكم من اعتمد على نبأ الفاسق إلى العمل بمقتضاه، ويكون المخاطبون بقوله: حبب إليكم الإيمان المؤمنين الكاملين الذين لم يعتمدوا على كل ما سمعوه اهـ زاده.
ويؤيده ما في القرطبي ونصه: ولكن اللّه حبب إليكم الإيمان هذا خطاب للمؤمنين المخلصين الذين لا يكذبون على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولا يخبرونه بالباطل أي: جعل الإيمان أحب الأديان إليكم وزينه بتوفيقه في قلوبكم أي: حسنه إليكم حتى اخترتموه اهـ.
قوله: (مصدر منصوب بفعله المقدر) عبارة السمين: يجوز أن ينتصب على المفعول من أجله وفيما ينصبه وجهان، أحدهما: قوله ولكن اللّه حبب إليكم الإيمان، وعلى هذا فما بينهما اعتراض من