الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 246
يدع بعضكم بعضا بلقب يكرهه، ومنه يا فاسق يا كافر بِئْسَ الِاسْمُ أي المذكور من السخرية واللمز والتنابز الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ بدل من الاسم، لإفادة أنه فسق لتكرره عادة وَمَنْ لَمْ يَتُبْ من ذلك فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ أي مؤثم الأول كما صنع غيره أن يقول أو لا يعب بعضكم بعضا يعني: والمؤمنون كشخص واحد، فمن عاب غيره كأنه عاب نفسه فصح قوله: ولا تلمزوا أنفسكم على كل من التفسيرين اهـ شيخنا.
قوله: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ النبز بفتح الباء اللقب مطلقا أي: حسنا أو قبيحا، وخص في العرف بالقبيح وبسكون الباء مصدر نبزه بمعنى لقبه اهـ زاده.
وعبارة الشهاب: والنبز والنزب في الأصل اللقب، ثم خصه العرف بالتغليب بما يكرهه الشخص وهو المنهي عنه، فليس ذكر الألقاب معه مستدركا كما يتوهم، انتهت.
وفي السمين: التنابز تفاعل من النبز وهو التداعي باللقب، والنزب مقلوب منه لقلة هذا وكثرة ذاك، ويقال: تنابزوا وتنابزوا إذا دعا بعضهم بعضا بلقب سوء اهـ.
قوله: بِئْسَ الِاسْمُ ليس المراد بالاسم هنا ما يقابل اللقب والكنية ولا ما يقابل الفعل والحرف، بل المراد به الذكر المرتفع لأنه من السمو اهـ كرخي.
أي: لأن هذه الأمور الثلاثة ذكر معايب، وعبارة البيضاوي: أي بئس الذكر المرتفع للمؤمنين أن يذكروا بالفسق بعد دخولهم في الإيمان واستهتارهم به، والمراد به إما تهجين نسبة الكفر والفسوق إلى المؤمنين، أو الدلالة على أن التنابز فسق والجمع بينه وبين الإيمان مستقبح، انتهت.
قوله: (بدل من الاسم) وعلى هذا فالمخصوص بالذم محذوف تقديره: هو ولو أعربه مخصوصا بالذم لكان أحسن اهـ شيخنا.
قوله: (لافادة أنه) أي: ما ذكر من السخرية الخ فسق، وقوله: أنكروه عادة يعني أنه وإن كان المذكور صغيرة لا يفسق بها لكنه في العادة يتكرر فيصير كبيرة مفسقة اهـ كرخي.
قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِ قيل: نزلت في رجلين اغتابا رفيقهما، وذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا غزا أو سافر ضم الرجل المحتاج إلى رجلين موسرين يخدمهما ويتقدمهما إلى المنزل فيهيئ لهما ما يصلحهما من الطعام أو الشراب، فضم سلمان إلى رجلين في بعض أسفاره، فتقدم سلمان إلى المنزل فغلبته عيناه، فنام ولم يهيئ لهما شيئا فلما قدما قالا له: ما صنعت شيئا؟
قال: لا غلبتني عيناي. قالا له: انطلق إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فاطلب لنا منه طعاما، فجاء سلمان إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وسأله طعاما، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «انطلق إلى أسامة بن زيد وقل له إن كان عنده فضل طعام وإدام فليعطك» ، وكان أسامة خازن طعام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى رحله فأتاه، فقال: ما عندي شيء فرجع سلمان إليهما فأخبرهما فقالا: كان عند أسامة ولكن بخل، فبعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة فلم يجد عندهم شيئا، فلما رجع قالوا لو بعثناك إلى بئر سمحة لغار ماؤها، ثم انطلقا يتجسسان هل عند أسامة ما أمر لهما به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فلما جاءا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لهما «مالي أرى خضرة اللحم في