الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 248
بالبحث عنها وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا لا يذكره بشيء يكرهه وإن كان فيه أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ بالجيم هو البحث، ومنه قيل رجل جاسوس إذا كان يبحث عن الأمور، وبالحاء ما أدركه الإنسان ببعض حواسه، وقول ثالث في الفرق أنه بالحاء تطلبه لنفسه، وبالجيم أن يكون رسولا لغيره قاله ثعلب، والأول أعرف يقال: تجسست الأخبار وتجسستها أي: تفحصت عنها، ومنه الجاسوس، ومعنى الآية: خذوا ما ظهر ولا تتبعوا عورات المسلمين أي: لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه حتى يطلع عليه بعد أن ستره اللّه، وفي كتاب أبي داود عن معاوية قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «إنك إن اتبعت عورات المسلمين أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم» فقال أبو الدرداء كلمة سمعها معاوية من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنفعه اللّه بها. وعن المقداد بن معد يكرب، وعن أبي أمامة، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم» اهـ قرطبي.
قوله: (لا تتبعوا عورات المسلمين) في الحديث: «لا تتبعوا عورات المسلمين، فإن من يتبع عوراتهم تتبع اللّه عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته» اهـ بيضاوي.
قوله: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا نهى عز وجل عن الغيبة وهي أن تذكر الرجل بما فيه، فإن ذكرته بما ليس فيه فهو البهتان. ثبت معناه في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
«أتدرون ما الغيبة» ؟ قالوا: اللّه ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما يكره» قال: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول، فقال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته» يقال: اغتابه اغتيابا إذا وقع فيه والاسم الغيبة وهي ذكر العيب بظهر الغيب. قال الحسن: الغيبة ثلاثة أوجه كلها في كتاب اللّه تعالى:
الغيبة والافك والبهتان. فأما الغيبة؛ فهي أن تقول في أخيك ما هو فيه، وأما الإفك فهو أن تقول فيه ما بلغك عنه، وأما البهتان. فهو أن تقول ما ليس فيه، ولا خلاف أن الغيبة من الكبائر، وإن من أغتاب أحدا فليتب إلى اللّه عز وجل. وهل يستحل المغتاب؟ فيه خلاف، فقالت فرقة: ليس عليه استحلاله وإنما هي خطيئة بينه وبين ربه واحتجت بأنه لم يأخذ من ماله ولا أصاب من بدنه ما ينقصه، فليس ذلك مظلمة يستحلها منه، وإنما المظلمة ما يكون في المال والبدن. وقالت فرقة: هي مظلمة وكفارتها الاستغفار لصاحبها الذي اغتابه، واحتجت بحديث يروى عن الحسن قال: «كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته» وقالت فرقة: هي مظلمة وعليه الاستحلال منها، واحتجت بقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فليتحلله منها من قبل أن يأتي يوم ليس فيه هناك دينار ولا درهم يؤخذ من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فزيد على سيئاته» خرجه البخاري من حديث أبي هريرة وغير ذلك من الأحاديث، وليس من هذا الباب غيبة الفاسق المعلن به المتجاهر، فإن في الخبر: من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «اذكروا الفاجر بما فيه كي يحذره الناس» فالغيبة إذا في المرء الذي يستر نفسه. وروي عن الحسن أنه قال: ثلاثة ليس لهم حرمة صاحب الهوى والفاسق المعلن والإمام الجائر اهـ قرطبي.
قوله: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا تمثيل لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفحش وجه مع مبالغات الاستفهام المقرر، وإسناد الفعل إلى أحد للتعميم، وتعليق المحبة بما هو في