فهرس الكتاب

الصفحة 2706 من 2941

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 249

يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا بالتخفيف والتشديد، أي لا يحسن به لا فَكَرِهْتُمُوهُ أي فاغتيابه في حياته كأكل لحمه بعد مماته، وقد عرض عليكم الثاني فكرهتموه فاكرهوا الأول وَاتَّقُوا اللَّهَ أي عقابه غاية الكراهة، وتمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان، وجعل المأكول أخا وميتا وتعقيب ذلك بقوله:

فكرهتموه تقريرا وتحقيقا لذلك، والمعنى إن صح ذلك أو عرض عليكم هذا فقد كرهتموه ولا يمكنكم إنكار كراهته اهـ بيضاوي.

وعبارة القرطبي: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا مثّل اللّه الغيبة بأكل الميتة، لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه كما أن الحي لا يعلم بغيبة من اغتابه، وقال ابن عباس: إنما ضرب اللّه هذا المثل للغيبة لأن أكل لحم الميت حرام في الدين وقبيح في النفوس، وقال قتادة: كما يمتنع أحدكم من أن يأكل لحم أخيه كذلك يجب أن يمتنع من غيبته حيا، واستعمل أكل اللحم مكان الغيبة، لأن عادة العرب بذلك جارية، وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما صام من ظل يأكل لحوم الناس» فشبه الوقيعة في الناس بأكل لحومهم، فمن نقص مسلما أو ثلم عرضه فهو كآكل لحمه حيا، ومن اغتابه فهو كآكل لحمه ميتا اهـ.

قوله: (بالتخفف والتشديد) سبعيتان. قوله: (لا يحس به) تفسير لميتا، فالمراد بالميت من لا يحس لأنه في غيبته كالميت من حيث عدم إحساسه بما يقال فيه، وقوله: به أي يأكل لحمه، وقوله: لا أشار به إلى أن الاستفهام إنكاري أي: لا يحب أكل لحم أخيه ولا يرضى به اهـ شيخنا.

قوله: فَكَرِهْتُمُوهُ الضمير عائد على الأكل المفهوم من يأكل بدليل قوله: بعد، وقد عرض عليكم الثاني فكرهتموه، وعبارة السمين: فكرهتموه قال الفراء: تقديره فكرهتموه فلا تفعلوه، وقال أبو البقاء: المعطوف عليه محذوف تقديره وعرض عليكم ذلك فكرهتموه، والمعنى يعرض عليكم فتكرهونه، وقيل: إن صح ذلك عندكم فأنتم تكرهونه، فقيل: هو خبر بمعنى الأمر كقوله: اتقى اللّه امرؤ خيرا يثاب عليه اهـ.

قوله: (أي فاغتيابه في حياته الخ) أشار بهذا التقدير إلى الكلام من قبيل التمثيل أي التشبيه أي أنه من باب الاستعارة التمثيلية اهـ شيخنا.

وعبارة الخطيب: وفي هذا التشبيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كدمه ولحمه، لأن الإنسان يتألم قلبه من قرض العرض كما يتألم جسمه من قطع اللحم، وهذا من باب القياس الظاهر، لأن عرض الإنسان أشرف من لحمه ودمه، فإذا لم يحسن من العاقل آكل لحوم الإنسان لم يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى لأن ذلك أشد ألما، وقوله: لحم أخيه آكد في المنع، لأن العدو يحمله الغضب على مضغ لحم عدوه، وفي قوله ميتا إشارة إلى دفع واهم وهو أن يقال الشتم في الوجه يؤلم فيحرم، وأما الاغتياب فلا اطلاع عليه فلا يؤلم، فيقال: أكل لحم الأخر وهو ميت أيضا لا يؤلم، ومع هذا هو في غاية القبح لما أنه لو اطلع لتألم، فإن الميت لو حس بأكل لحمه لآلمه وفيه معنى لطيف، وهو أن الاغتياب كأكل لحم الآدمي ميتا ولا يحل أكله إلا للمضطر بقدر الحاجة، والمضطر إذا وجد لحم الشاة الميتة أو لحم الآدمي لم يأكل لحم الآدمي، فكذلك المغتاب إن وجد لحاجته معدلا غير الغيبة فلا يباح له الاغتياب، انتهت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت