الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 291
طغيانهم
فَتَوَلَ أعرض عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) لأنك بلغتهم الرسالة
وَذَكِّرْ عظ بالقرآن فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) من علم اللّه تعالى أنه يؤمن
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ولا ينافي ذلك عدم عبادة الكافرين لأن الغاية لا يلزم وجودها، كما في قولك: بريت هذا القلم بالحقيقة بقوله: بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ فهو اضراب انتقالي اهـ شيخنا.
قوله: (بمعنى النفي) أي: ما وقع منهم وصية بذلك لأنهم لم يتلاقوا في زمان واحد اهـ كرخي.
قوله: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أي: عن جدالهم، وعبارة البيضاوي: فتول عنهم فأعرض عن مجادلتهم بعدما كررت عليهم الدعوة فأبوا إلا الأصرار والعناد، فما أنت بملوم على الإعراض بعدما بذلت جهدك في البلاغ، وذكر ولا تدع التذكير والموعظة، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، أي: من قدر اللّه إيمانه أو من آمن فإنه يزداد بها بصيرة اهـ.
قوله: فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ أي: لا لوم عليك في الاعراض عنهم، لأنك قد أديت الرسالة وبذلت المجهود ما قصرت فيما أمرت به. قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية حزن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، واشتد ذلك على أصحابه، وظنوا أن الوحي قد انقطع، وأن العذاب قد حضر إذ أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يتولى عنهم، فأنزل اللّه: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ فطابت نفوسهم بذلك اهـ خازن.
وهذا يقتضي أن قوله: وذكر ناسخ لما قبله، وبه صرح القرطبي حيث قال: ثم نسخ هذا بقوله:
وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين، وقيل: نسخ بآياته السيف اهـ.
قوله: وَذَكِّرْ أي ذكر جميعهم، فإن التذكير ربما انتفع به منهم من علم اللّه أنه يؤمن، فهذا معنى قوله: فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ اهـ شيخنا.
قوله: (و لا ينافي ذلك) أي الحصر المذكور عدم عبادة الكافرين الخ، وقوله: (لأن الغاية) أي المفادة باللام فهي للغاية والعاقبة لا للعلة الباعثة لما هو معلوم من أن اللّه لا يبعثه شيء على شيء، وقوله: فإنك قد لا تكتب به اعترضه القاري مبا حصاله أن هذا مسلم في أفعال المخلوقين لجهلهم بعواقب الأمور، وأما اللّه سبحانه وتعالى فلا يصح التخلف في فعله لأنه لما قال ليعبدون فمقتضاه أنه عالم بأنهم سيعبدونه، فينافي عدم العبادة من بعضهم. فالجواب الصحيح: أن معنى إلا ليعبدون أي:
إلا مهيئين ومستعدين ليعبدون بأن خلقت فيهم العقل والحواس والقدرة التي تتحصل بها العبادة، وهذا لا ينافي تخلف العبادة بالفعل من بعضهم، لأن هذا البعض وإن لم يعبد اللّه لكن فيه التهيؤ والاستعداد الذي هو الغاية بالحقيقة اهـ شيخنا.
وفي السمين: إلا ليعبدون متعلق بخلقت، واختلف في الجن والإنس قيل: المراد بهم العموم والمعنى إلا لآمرهم بالعبادة وليقربوا بها، وهذا منقول عن علي بن أبي طالب، أو يكون المعنى ليطيعوني وينقادوا لقضائي، فالمؤمن يفعل ذلك طوعا والكافر يفعله كرها، أو يكون المعنى إلا معدين ومهيئين للعبادة ثم منهم من يتأتى منه ذلك، ومنهم من لا يتأتى منه كقولك: هذا القلم بريته للكتابة ثم تكتب به وقد لا تكتب، أو المراد بهم الخصوص، والمعنى: وما خلقت الجن والإنس المؤمنين، وقيل: الطائعين، والأول أحسن اهـ.