الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 292
وعبارة الكرخي: قوله: ولا ينافي في ذلك الخ هو جواب سؤال كيف قال: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، ولو كان مريدا للعبادة منهم لكانوا كلهم عبادا والحال أنها لم توجد من الكل، وإيضاحه: أن خلقهم على صورة متوجهة إلى العبادة أي صالحة مستعدة حيث ركب فيهم عقولا وجعل لهم حواس، ثم منهم من يتأتى منه ذلك، ومن لم يتأت منه ذلك إذ الغاية لا يلزم وجودها كما قرره الشيخ المصنف، أو لأن ذلك عام أريد به الخصوص بدليل قوله: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [الأعراف: 179] ومن خلق لجهنم لا يكون مخلوقا للعبادة قاله شيخ الإسلام زكريا نقلا عن الرازي، ويعضده قراءة من قرأ وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين، ولعل تقديم خلق الجن في الذكر لتقدمه على خلق الإنس في الوجود اهـ.
وعبارة القرطبي: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون قيل: إن هذا خاص فيمن سبق في علم اللّه أنه يعبد فجاء بلفظ العموم ومعناه الخصوص، والمعنى وما خلقت الجن والإنس أهل السعادة إلا ليوحدون. قال القشيري: والآية دخلها التخصيص على القطع لأن المجانين والصبيان ما أمروا بالعبادة حتى يقال أراد منهم العبادة، وقد قال تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ[الأعراف:
179]ومن خلق لجهنم لا يكون ممن خلق للعبادة، فالآية محمولة على المؤمنين منهم وهو كقوله:
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا [الحجرات: 14] وإنما قال فريق منهم ذكره الضحاك والكلبي والفراء والعتبي.
وفي قراءة عبد اللّه: وما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بالعبادة، واعتمد الزجاج هذا القول ويدل عليه قوله تعالى: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهًا واحِدًا [التوبة: 31] فإن قيل: كيف كفروا وقد خلقهم للاقرار بربوبيته والتذلل لأمره ومشيئته؟ قلت: تذللوا لقضائه عليهم لأن قضاءه جار عليهم لا يقدرون على الامتناع منه، وإنما خالفه من كفر في العمل بما أمر به، فأما التذلل لقضائه فإنه غير ممتنع منه، وقيل: إلا ليعبدون إلا ليقروا لي بالعبادة طوعا أو كرها رواه عثمان بن أبي طلحة عن ابن عباس، فالكره ما يرى فيهم من أثر الصنعة، وقال مجاهد: إلا ليعرفون، قال الثعلبي: وهذا قول حسن لأنه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده، ودليل هذا التأويل قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزمر: 38، لقمان: 25] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف: 9] وما أشبه هذا من الآيات وعن مجاهد أيضا: إلا لآمرهم وأنهاهم، وقال زيد بن أسلم: هو ما جبلوا عليه من الشقاوة والسعادة، فخلق السعداء من الجن والإنس للعبادة، وخلق الأشقياء منهم للمعصية، وعن الكلبي أيضا: إلّا ليوحدون، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء، وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء، يدل عليه قوله تعالى: وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [لقمان: 32] الآية. وقال عكرمة: إلا ليعبدون ويطيعون فأثيب العابد وأعاقب الجاحد، وقيل: المعنى إلا لأستعبدهم والمعنى متقارب اهـ.
قوله: (لأن الغاية لا يلزم وجودها) فيه إشارة إلى أن هذه اللام لام العاقبة والصيرورة وليست لام العلة الباعثة، لأن الرب لا يحمله شيء على شيء، قوله: (كما في قولك الخ) غير سديد، لأن اللام في