الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 293
لأكتب به، فإنك قد لا تكتب به
ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ لي ولا لأنفسهم وغيرهم وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) ولا أنفسهم ولا غيرهم
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) الشديد
فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بالكفر من أهل مكة وغيرهم ذَنُوبًا نصيبا من العذاب مِثْلَ ذَنُوبِ نصيب أَصْحابِهِمْ المثال المذكور لام العلة الباعثة لأنها في فعل المخلوق، وإذا كانت اللام هنا لام الصيرورة كان المعنى وما خلقت الجن والإنس إلّا وقد ترتب على خلقهم أن عبدوني، فيعود الاشكال وهو أن العبادة لم توجد من جميعهم وإنما وجدت من بعضهم، فما قصده الشارح من الجواب غير دافع للاعتراض وهذا ما أشار له القاري تأمل.
قوله: ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ أي: ما أريد أن أصرفهم في تحصيل رزقي فليشتغلوا بما هم مخلوقون له ومأمورون به، والمراد أن يبين أن شأنه مع عباده ليس شأن السادة مع عبيدهم، فإنهم إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم اهـ بيضاوي.
وقوله: في تحصيل معايشهم، منهم من يحتاج إلى كسب عبده في نيل الرزق، ومنهم من يكون له مال وافر يستغني به عن حمل عبده عن الاكتساب لكنه يستعين به في قضاء حوائجه بأن يستخدمه في طبخ الطعام وإحضاره بين يديه ونحو ذلك، وهو تعالى مستغن عن جميع ذلك، فظهر فائدة تكرير قوله:
وما أريد أن يطعمون، فإن الإرادة الأولى متعلقة باكتساب الرزق، والثانية: متعلقة باصلاحه، وخص الاطعام بالذكر لكونه معظم المنافع المطلوبة من المماليك بعد اشتغالهم بالأرزاق، ونفي الأهم يستلزم نفي ما دونه بطريق الأولى قيل: ما أريد منهم من عين ولا عمل، قوله: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ تعليل لعدم ارادته الرزق منهم، وقوله: ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ تعليل لعدم احتياجه إلى استخدامهم في تمامه في إصلاح طعامه وشرابه ونحو ذلك اهـ زاده.
قوله: الْمَتِينُ العامة على رفعه وفيه أوجه، إما النعت للرزاق، وإما النعت لذو، وإما النعت لاسم إن على الموضع وهو مذهب الجرمي والفراء وغيرهما، وإما خبر بعد خبر، وإما خبر مبتدأ مضمر، وعلى كل تقدير فهو تأكيد لأن ذو القوة يفيد فائدته، وقرأ ابن محيصن: الرزاق كما قرأ وفي السماء رازقكم كما تقدم، وقرأ يحيى بن وثاب، والأعمش: المتين بالجر على أنه صفة للقوة وإنما ذكر وصفها لكونها تأنيثها غير حقيقي اهـ سمين.
قوله: فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا الخ أي: إذا عرفت حال الكفرة المتقدمين من عاد وثمود وقوم نوح، فإن لهؤلاء المكذبين نصيبا مثل نصيبهم عبر عن النصيب بالذنوب ليشبه به في أنه يصب عليهم العذاب كما يصب الذنوب، قال تعالى: يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ [الحج: 19] اهـ زاده.
قوله: ذَنُوبًا قال الزمخشري: الذنوب الدلو العظيمة، وهذا تمثيل أصله في السقائين يقتسمون الماء، فيكون لهذا ذنوب ولهذا ذنوب، وقال الراغب: الذنوب الدلو الذي له ذنب اهـ.
فراعى الاشتقاق، والذنوب أيضا الفرس الطويل الذنب وهو صفة على فعول، ويقال: يوم ذنوب أي: طويل الشر استعارة من ذلك اهـ سمين.