الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 316
القرب
فَكانَ منه قابَ قدر قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (9) من ذلك حتى أفاق وسكن روعه
فَأَوْحى تعالى إِلى عَبْدِهِ جبريل ما أَوْحى (10) جبريل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يذكر الموحى به تفخيما لشأنه
ما كَذَبَ بالتخفيف والتشديد أنكر الْفُؤادُ فؤاد النبي ما رَأى (11) ببصره من صورة قوله: أَوْ أَدْنى هذه الآية كقوله: أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: 147] لأن المعنى فكان بأحد هذين المقدارين في رأي الرائي لتقارب ما بينهما يشك الرائي أي في ذلك، وأدنى أفعل تفضيل والمفضل عليه محذوف أي أو أدنى من قاب قوسين اهـ سمين.
أو هي بمعنى بل أي بل أدنى. قوله: (حتى أفاق) غاية لمحذوف، وعبارة الخطيب: أو أدنى من ذلك وضمه إلى نفسه حتى أفاق وسكن روعه وجعل يمسح التراب عن وجهه، انتهت.
فلما أفاق قال: «يا جبريل ما ظننت أن اللّه خلق أحدا على مثل هذه الصورة» . فقال: يا محمد إنما نشرت جناحين من أجنحتي وإن لي ستمائة جناح سعة كل جناح ما بين المشرق والمغرب، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن هذا لعظيم» ، فقال جبريل: «و ما أنا في جنب خلق اللّه إلا يسير، ولقد خلق اللّه إسرافيل له ستمائة جناح كل جناح منها قدر جميع أجنحتي وأنه ليتضاءل أحيانا من مخافة اللّه تعالى حتى يكون بقدر الوصع أي العصفور الصغير اهـ قرطبي.
والوصع: بسكون الصاد المهملة وبفتحها وبالعين المهملة طائر صغير أصغر من العصفور اهـ قاموس.
قوله: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ الخ راجع لقوله: علمه شديد القوى أي بتعليم من اللّه لا من عند نفسه، وقوله: ما كَذَبَ الْفُؤادُ الخ راجع لقوله: فَاسْتَوى الخ أي فرآه في هذه الواقعة رؤية حقيقية اهـ شيخنا.
قوله أيضا: فَأَوْحى (تعالى الخ) هذا ما قاله الربيع والحسن وابن زيد وقتادة، والأكثر على أن المعنى فأوحى اللّه تعالى إلى عبده محمد ما أوحى اهـ كرخي.
قوله: (تفخيما لشأنه) أي: وإشارة إلى عمومه وهو جميع أحكام الشريعة اهـ خطيب.
وفي القرطبي: ثم قيل هذا الوحي هل هو مبهم لا نطلع عليه وتعبدنا بالإيمان به على الجملة أو هو معلوم مفسر قولان، وبالثاني قال سعيد بن جبير قال: أوحى اللّه إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ألم أجدك يتيما فآويتك، ألم أجدك ضالا فهديتك، ألم أجدك عائلا فأغنيتك أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح: 1 - 4] ، وقيل: أوحى اللّه تعالى أن الجنة حرام على الأنبياء حتى تدخلها يا محمد وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك اهـ.
قوله: (بالتخفيف والتشديد) سبعيتان، فأما التشديد فعلى معنى أن ما رآه محمد بعينه صدقه بقلبه ولم ينكره أي: ما قال فؤاده لما رآه بصره لم أعرفك، ولو قال ذلك كان كاذبا لأنه عرفه يعني أنه رآه بعينه وعرفه بقلبه ولم يشك في أن ما رآه حق، وما مفعول به موصولة والعائد محذوف، وفاعل رأي ضمير يعود على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وأما التخفيف فقيل فيه ما قيل في التشديد وكذب يتعدى بنفسه، وقيل: هو