الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 357
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ منصوب بفعل يفسره خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (49) بتقدير حال من كل أي مقدرا، وقرئ كل وسقر علم لجهنم مشتق من سقرته الشمس أو النار أي لوحته، ويقال: صقرته بالصاد وهي مبدلة من السين وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث اهـ خطيب.
وقوله: أي لوحته بالحاء المهملة تفعيل من التلويح وهو تغيير الجلد ولونه من ملاقاة حر النار اهـ شهاب.
وقال زكريا: لوحته أي أحمته اهـ.
قوله: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ أي العامة على نصب كل على الاشتغال، وقرأ أبو السمال:
بالرفع، وقد رجح الناس النصب بل أوجبه بعضهم قال: لأن الرفع يوهم ما لا يجوز على قواعد أهل السنة، وذلك أنه إذا رفع كل شيء كان مبتدأ، وخلقناه: صفة لكل أو لشيء، وبقدر خبره، وحينئذ يكون له مفهوم لا يخفى على متأمله، فيلزم أن يكون هناك شيء ليس مخلوقا للّه تعالى وليس بقدر كذا قرره بعضهم، وقال أبو البقاء: وإنما كان النصب أولى لدلالته على عموم الخلق والرفع لا يدل على عمومه، بل يفيد أن كل شيء مخلوق فهو بقدر، وإنما دل نصب كل على العموم، لأن التقدير إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر، فخلقناه تأكيد وتفسير لخلقنا المضمر الناصب لكل شيء، فهذا لفظ عام يعم جميع المخلوقات، ولا يجوز أن يكون خلقناه صفة لشيء، لأن الصفة والصلة لا يعملان فيما قبل الموصول ولا الموصوف لا تكون تفسيرا لما يعمل فيما قبلهما، فإذا لم يبق خلقناه صفة لم يبق إلا أنه تأكيد وتفسير للمضمر الناصب وذلك يدل على العموم، وأيضا فإن النصب هو الاختيار لأن إنا عندهم يطلب الفعل فهو أولى به فالنصب عندهم في كل هو الاختيار، فإذا انضم إليه معنى العموم والخروج عن الإبهام كان النصب أولى من الرفع، وقال قوم: إذ كان الفعل يتوهم فيه الوصف وإن ما بعده يصلح للخبر، وكان المعنى على أن يكون الفعل هو الخبر اختير النصب في الاسم الأول حتى يتضح أن الفعل ليس بوصف، ومنه هذا الموضع لأن قراءة الرفع تخيل أن الفعل وصف، وأن الخبر بقدر، وبقدر على قراءة النصب متعلق بالفعل الناصب، وفي قراءة الرفع في محل رفع لأنه خبر لكل وكل وخبرها في محل رفع خبر لإن، وسيأتي قريبا عكس هذا من اختيار الرفع في قوله: وكل شيء فعلوه في الزبر فإنه لم يختلف في رفعه، قالوا: لأن نصبه يؤدي إلى فساد المعنى لأن الواقع خلافه، وذلك أنك لو نسبته لكان التقدير فعلوا كل شيء في الزبر، وهو خلاف الواقع، إذ في الزبر أشياء كثيرة جدا لم يفعلوها.
وأما قراءة الرفع فتؤدي إلى أن كل شيء فعلوه هو ثابت في الزبر وهو المقصود، ولذلك اتفق على رفعه وهذان الموضعان من نكت المسائل العربية التي اتفق مجيئها في سورة واحدة في مكانين متقاربين اهـ سمين.
قوله: خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ أي قضاء وحكم وقياس مضبوط وقسمة محدودة وقوة بالغة وتدبير محكم في وقت معلوم ومكان محدود مكتوب ذلك في اللوح قبل وقوعه اهـ خطيب.
قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه اللّه تعالى: أعلم أن مذهب أهل الحق إثبات القدر، ومعناه أن اللّه تعالى قدر الأشياء في القدم، وعلم سبحانه وتعالى أنها ستقع في أوقات معلومة عند سبحانه وتعالى، وعلى صفات مخصوصة فهي تقع على حسب ما قدرها اللّه تعالى، وأنكرت القدرية هذا