الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 388
فَكانَتْ هَباءً غبارا مُنْبَثًّا (6) منتشرا، وإذا الثانية بدل من الأولى
وَكُنْتُمْ في القيامة أَزْواجًا أصنافا ثَلاثَةً (7)
فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهم الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم مبتدأ خبره ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (8) تعظيم لشأنهم بدخولهم الجنة
وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ أي الشمال بأن يؤتى كل منهم كتابه قوله: (منتشرا) أي: متفرقا بنفسه من غير حاجة إلى هواء يفرقه، فهو كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل من كوة اهـ خطيب.
وفي القرطبي: وقال علي رضي اللّه عنه: الهباء المنبث الرهج الذي يسطع من حوافر الذواب ثم يذهب فجعل اللّه أعمالهم كذلك، وقال مجاهد: الهباء هو الشعاع الذي في الكوة كهيئة الغبار، وروي نحوه عن ابن عباس وعنه أيضا: هو ما تطاير من النار إذا اضطربت يطير منها شرر، فإذا وقع لم يكن شيئا وقاله عطية اهـ.
قوله: (و إذا الثانية) أي: إذا رجت بدل من إذا الأولى أي: إذا وقعت فهي في محل نصب، ويجوز نصبها بخافضة أو رافعة وباذكر مقدرا اهـ كرخي.
قوله: وَكُنْتُمْ عطف على رجت والخطاب للخلائق بأسرهم قسمهم ثلاثة أصناف، اثنان في الجنة وواحد في النار، ثم بينهم فقال: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ الخ اهـ زاده.
وعبارة أبي السعود: وكنتم أزواجا خطاب للأمة الحاضرة والأمم السالفة تغليبا، أو للحاضرة فقط اهـ.
قوله أيضا: وَكُنْتُمْ أي: قسمتم بما كان في جبلاتكم وطبائعكم في الدنيا. أزواجا أي:
أصنافنا ثلاثة كل صنف يشاكل ما هو منه كما يشاكل الزوج الزوجة. قال البيضاوي: وكل صنف يكون أو يذكر مع صنف آخر فهو زوج اهـ خطيب.
قوله: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ الخ هذا شروع في تفصيل وشرح أحوال الأزواج الثلاثة، فذكرت أحوالهم أولا على سبيل الإجمال بقوله: فأصحاب الميمنة الخ. ثم على سبيل التفصيل بقوله:
أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ الخ. وبقوله: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ الخ. وبقوله: وَأَصْحابُ الشِّمالِ الخ.
قوله: (مبتدأ خبره) ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ عبارة السمين: أصحاب الأول مبتدأ وما استفهام فيه تعظيم مبتدأ ثان، وأصحاب الثاني خبره، والجملة خبر الأول، وتكرير المبتدأ هنا بلفظه مغن عن الضمير، ومثله الحاقة ما الحاقة، القارعة ما القارعة، ولا يكون ذلك إلا في مواضع التعظيم، انتهت.
فقوله: تعظيم لشأنهم أي: في هذا الاستفهام تعظيم لشأنهم هكذا عبّر غيره وكذا يقال فيما بعده اهـ شيخنا.
وفي أبي السعود: فقوله تعالى: فأصحاب الميمنة مبتدأ، وقوله: ما أصحاب الميمنة خبره على أن ما الاستفهامية مبتدأ ثان وما بعده خبره، والجملة خبر الأول، والأصل ما هم أي: أي شيء هم في حالهم وصفتهم، فإن ما وإن شاعت في طلب مفهوم الاسم، والحقيقة لكنها قد يطلب بها الصفة والحال تقول: ما زيد؟ فيقال: عالم أو طبيب فوضع الظاهر موضع الضمير لكونه أدخل في التفخيم،