الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 400
نَحْنُ قَدَّرْنا بالتشديد والتخفيف بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) بعاجزين
عَلى عن أَنْ نُبَدِّلَ أي نجعل أَمْثالَكُمْ مكانكم وَنُنْشِئَكُمْ نخلقكم فِي ما لا تَعْلَمُونَ (61) من الصور كالقردة والخنازير
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى وفي قراءة بسكون الشين فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ (62) فيه إدغام التاء الثانية في الأصل في الذال
أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (63) تثيرون الأرض وتلقون البذر فيها
أَأَنْتُمْ قوله: نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ أي: قضينا به وأوجبناه وكتبناه فلم نترك أحدا منكم بغير حصة منه وأقتنا موت كل واحد بوقت معين لا يتعداه، فقصرنا عمر هذا وربما كان في الأوج من قوة البدن وصحة المزاج فلو اجتمع الخلق كلهم على إطالة عمره ما قدروا أن يؤخره لحظة، وأطلنا عمر هذا وربما كان في الحضيض من ضعف البدن واضطراب المزاج فلو تمالؤوا على تقصيره طرفة عين لعجزوا اهـ خطيب.
أي: والقادر على هذا كله قادر على إعادتكم وبعثكم اهـ.
وفي القاموس: والأوج ضد الهبوط. قوله: (بالتشديد والتخفيف) سبعيتان.
قوله: عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ يجوز أن يتعلق بمسبوقين وهو الظاهر أي: ولم يسبقنا أحد على تبديلنا أمثالكم أي: يعجزنا. يقال: سبقه إلى كذا أي: أعجزه عنه وغلبه عليه، والثاني: أنه متعلق بقوله: قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أي: تموت طائفة وتخلفها طائفة أخرى قال معناه الطبري، فعلى هذا يكون قوله: وما نحن بمسبوقين معترضا وهو اعتراض حسن. ويجوز في أمثالكم وجهان، أحدهما: أنه جمع مثل بكسر الميم وسكون الثاء أي: نحن قادرون على أن نعدمكم ونخلق قوما آخرين أمثالكم، ويؤيده أن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين. والثاني: أنه جمع مثل بفتحتين وهو الصفة أي: نغير صفاتكم التي أنتم عليها خلقا وننشئكم في صفات غيرها اهـ سمين.
قوله: فِي ما لا تَعْلَمُونَ أي: في صورة لا تعلمونها في جنسكم كتبديل صوركم بصورة القردة والخنازير قال الحسن: أي: نجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بأقوام قبلكم، وما مقطوعة في الرسم على القاعدة من أن الموصولة مفصولة اهـ من الخطيب.
قوله: النَّشْأَةَ الْأُولى أي: الترابية لأبيكم آدم، واللحمية لأمكم حواء والنطفية لكم وكل منها تحويل من شيء إلى غيره، فإن الذي شاهدتم قدرته على ذلك قادر على تحويلكم بعد أن تصيروا ترابا إلى ما كنتم عليه أولا من الصور، والذي تسبب عما تقدم قوله: فلو لا تذكرون أي: لتعلموا أن من قدر على النشأة الأولى يقدر على الثانية فإنها أقل كلفة من الأولى في العادة اهـ خطيب.
قوله: (و في قراءة) أي: سبعية بسكون الشين.
قوله: (تثيرون الأرض الخ) تفسير الحرث بمجموع الأمرين المذكورين هو معناه اللغوي، فقد قال الراغب: الحرث تهيئة الزراعة وإلقاء البذر فيها اهـ.
ولذا قال في الكشاف: تبذرون حبه وتعملون في أرضه اهـ.
والمعنى المناسب هنا تفسير ما بالبذر، ومعنى تحرثون البذر تلقونه في الأرض فكأنه قال: