الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 405
مكتوب مَكْنُونٍ (78) مصون وهو المصحف
لا يَمَسُّهُ خبر بمعنى النهي إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) أي الذين طهروا أنفسهم من الأحداث
تَنْزِيلٌ منزل مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (80)
أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ القرآن أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) متهاونون مكذبون
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ من المطر، أي قوله: (مصون) أي: من التعبير والتبديل على حد قوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: 9] اهـ شيخنا.
قوله: (و هو المصحف) وقيل: هو اللوح المحفوظ، وعبارة البيضاوي: فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ مصون وهو اللوح لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ لا يطلع على اللوح إلا المطهرون من الكدروات الجسمانية وهم الملائكة اهـ.
فالجملة صفة لكتاب المفسر باللوح المحفوظ ونفي مسه كناية عن لازمه وهو نفي الاطلاع عليه وعلى ما عليه، والمراد بالمطهرين حينئذ جنس الملائكة فطهارتهم نقاء ذواتهم عن كدورات الأجسام فهي طهارة معنوية اهـ شهاب.
قوله: (خبر بمعنى النهي) يؤيد هذا قراءة عبد اللّه بن مسعود ما يمسه بما النافية اهـ سمين.
وحينئذ فضمة السين إعرابية، وقوله: بمعنى النهي أي: لا يمسوه أي: يحرم عليهم مسه بدون الطهارة، ولم يبق صريحا على خبريته لئلا يلزم الخلف في خبره تعالى لأنه كثيرا ما يمس بدون طهارة، والخلف في خبره تعالى محال اهـ شيخنا.
وهذا أحد وجهين ذكرهما السمين، ثم قال: والثاني أنها ناهية والفعل بعدها مجزوم، لأنه لو فكّ عن الادغام لظهر ذلك كقوله تعالى: لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ [آل عمران: 174] ولكنه أدغم حرك آخره بالضم لأجل هاء ضمير المذكر الغائب اهـ كرخي.
وضعف ابن عطية النهي بأن قوله بعد تنزيل من رب العالمين صفة فيلزم الفصل بين الصفات وذلك لا يحسن، وأجيب: بأن قوله تنزيل لا يتعين أن يكون صفة لجواز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو تنزيل، فلا يمتنع حينئذ أن يكون لا يمسه نهيا ويمسه مجزوم في التقدير، إذ لو فك لظهر الجزم، ولكنه لما أدغم حرك آخره لأجل الادغام وكانت الحركة ضمة اتباعا لضمة الهاء اهـ.
قوله: (منزل) وسمي المنزل تنزيلا على اتساع اللغة. يقال للمقدور قدر وللمخلوق خلق اهـ خازن.
قوله: أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ مبتدأ وخبره، وقوله: بهذا الحديث متعلق بالخبر مقدم عليه، وقوله:
وتجعلون معطوف على الخبر، وقوله: رزقكم على حذف المضاف كما قدره أي شكره قوله: أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ مفعول ثان اهـ شيخنا.
وأصل الإدهان جعل الأديم ونحوه مدهونا بشيء من الدهن، ولما كان ذلك ملينا له لينا محسوسا أريد به اللين المعنوي على أنه تجوز به عن مطلق اللين أو استعير له، ولذا سميت المداراة والملاينة مداهنة وهذا مجاز معروف ولشهرته صار حقيقة عرفية، فلذا تجوز به هنا عن التهاون أيضا لأن المتهاون