فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 445
قراءة بضم الشين فيهما يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ بالطاعة في ذلك وَيرفع وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ في الجنة وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ أردتم مناجاته فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ قبلها صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ لذنوبكم فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا ما تتصدقون به نودي لها، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية، والمعنى إذا نودي للصلاة فانهضوا إليها، وقيل: إذا قيل لكم أنهضوا إلى الصلاة وإلى الجهاد وإلى كل خير فانهضوا إليه ولا تقصروا عنه اهـ.
قوله: (و في قراءة) أي سبعية بضم الشين فيهما وهما لغتان بمعنى واحد، يقال: نشز أي ارتفع ينشز وينشز كعرش يعرش ويعرش، وعكف يعكف ويعكف من بابي ضرب ونصر اهـ سمين.
قوله: (بالطاعة) متعلق بيرفع، وقوله: في ذلك أي القيام إلى الصلاة ونحوها. وفي البيضاوي:
يرفع اللّه الذين آمنوا منكم بالنصر وحسن الذكر في الدنيا وإيوائكم غرف الجنان في الآخرة اهـ.
قوله: وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ معطوف على الذين آمنوا كما أشار له بتقدير العامل فهو من عطف الخاص على العام، لأن الذين أوتوا العلم بعض المؤمنين، ويجوز أن يكون من عطف الصفات وتكون الصفتان لذات واحدة، كأنه قيل: يرفع اللّه المؤمنين العلماء اهـ سمين.
وفي البيضاوي: والذين أوتوا العلم درجات أي ويرفع العلماء منهم خاصة درجات بما جمعوا من العلم والعمل، فإن العلم مع علو درجته يقتضي العمل المقرون به مزيد رفعة، ولذلك يقتدى بالعالم في أفعاله ولا يقتدى بغيره اهـ.
قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً في هذا الأمر تعظيم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وانتفاع الفقراء، والنهي عن الافراط في السؤال والميز بين المخلص والمنافق ومحب الدنيا ومحب الآخرة، واختلف في أنه للندب أو للوجوب، لكنه منسوخ بقوله: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا وهو وإن اتصل به تلاوة لم يتصل به نزولا. وعن علي كرم اللّه وجهه: أن في كتاب اللّه آية ما عمل بها أحد غيري كان لي دينار فصرفته بعشرة دراهم، وناجيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عشر مرات أتصدق في كل مرة بدرهم، وهذا على القول بالوجوب لا يقدح في حق غيره من الصحابة، ولعله لم يتفق للأغنياء مناجاة في مدة بقاء الوجوب بلا نسخ، إذ روي أنه لم يبق إلا عشرة من الأيام، وقيل: إلا ساعة اهـ بيضاوي.
وقيل: إلا يوما اهـ قرطبي.
وعبارة الخازن: وفائدة هذا التقديم تعظيم مناجاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فإن الإنسان إذا وجد الشيء بمشقة استعظمه، وإن وجده بسهولة استحقره ونفع كثير من الفقراء بتلك الصدقة المقدمة قبل المناجاة.
قال ابن عباس: إن الناس سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأكثروا حتى شق عليه، فأراد اللّه تعالى أن يخفف على نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ويزجرهم عن ذلك، فأمرهم أن يقدموا صدقة على مناجاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل: نزلت في الأغنياء، وذلك أنهم كانوا يأتون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيكثرون مناجاته ويغلبون الفقراء على المجالس حتى كره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم طول جلوسهم ومناجاتهم، فلما أمروا بالصدقة كفوا عن مناجاته، فأما الفقراء وأهل العسرة فلم يجدوا شيئا، وأما الأغنياء وأهل الميسرة فضنوا، واشتد ذلك على أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت الرخصة. قال مجاهد: نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب تصدق