الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 449
الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (19)
إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ يخالفون اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) المغلوبين
كَتَبَ اللَّهُ في اللوح المحفوظ أو قضى لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي بالحجة أو السيف إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21)
لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ يصادقون مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا أي المحادّون آباءَهُمْ أي المؤمنين أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ بل يقصدونهم بالسوء ويقاتلونهم على الإيمان، كما وقع لجماعة من الصحابة رضي اللّه عنهم قوله: فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أي فلا يذكرونه بقلوبهم ولا بألسنتهم اهـ كرخي.
قوله: أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ* أي لأنهم فوتوا على أنفسهم النعيم المؤبد وعرضوها للعذاب المخلد اهـ بيضاوي.
قوله: أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ أي في جملة الأذلين، أو مع الأذلين أي الذين هم أذل الخلق وهم الكفار مطلقا الخلص والمنافقون اهـ شيخنا.
قوله: كَتَبَ اللَّهُ الخ ضمن معنى أقسم، ولذا أجيب بما يجاب به القسم، وهو قوله: لأغلبن الخ. قوله: (بالحجة أو السيف) أو مانعة خلو فيجوز الجمع، فالرسول يغلب تارة بالدليل وتارة بالسيف وتارة بهما، ومن المعلوم أن الذي يستعمل الحجة والسيف هو الرسول، فنسبة الغلبة إلى اللّه من حيث إنه المعين للرسول والمقدر له على ذلك، فكأنه قال: كتب اللّه لأجعلن رسولي غالبا.
قوله: يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي إيمانا صحيحا بحيث يتوافق فيه الظاهر مع الباطن، فالمؤمن الموصوف بهذه الصفة لا يمكن أن يصادق الكفار ويحبهم بقلبه، لأنه إن فعل ذلك لم يكن صادقا في إيمانه ولم يكن إيمانه صحيحا، بل يكون نفاقا، فقد نزلت هذه الآية في عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي لما همّ بقتل أبيه المنافق، وفي أبي بكر الصديق لما صكّ أباه أبا قحافة حيث سمعه يسب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وفي غيرهما من الصحابة كالذي قتل أباه، والذي قتل ابنه، والذي قتل أخاه لكفرهم.
قوله: يُوادُّونَ مفعول ثان لتجد إن كان بمعنى تعلم، وإن كان بمعنى تصادف وتلقى، فالجملة حال أو صفة لقوما، والواو في ولو كانوا حالية، وقدم أولا الآباء لأنهم يجب طاعتهم ثم ثنّى بالأنباء لأنهم أعلق بالقلب، ثم ثلث بالإخوان لأنهم هم الناصرون بمنزلة العضد من الذراع، ثم ربّع بالعشيرة لأن بها يستغاث وعليها يعتمد اهـ سمين.
قوله: (يصادقون) أي فالمودة المحظورة هي مناصحتهم وإرادة الخير لهم دنيا ودينا مع كفره، وما عدا ذلك لا حظر فيه، لأن الأمة أجمعت على جواز مخالتهم ومعاملتهم ومعاشرتهم اهـ خازن.
قوله: (كما وقع لجماعة من الصحابة) عبارة الخازن: روي عن عبد اللّه بن مسعود في هذه الآية قال: ولو كانوا آباءهم يعني أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد اللّه بن الجراح، أو أبناءهم يعني أبا بكر الصديق دعا ابنه يوم بدر للبراز، وقال: يا رسول اللّه دعني أكن في الرعلة الأولى، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: متعنا بنفسك، يا أبا بكر، أو إخوانهم يعني مصعب بن عمير قتل أخاه عبد بن عمير يوم أحد، أو