الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 466
الحسبان ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (14) مثلهم في ترك الإيمان
كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا بزمن قريب، وهم أهل بدر من المشركين ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ عقوبته في الدنيا من القتل وغيره وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (15) مؤلم في الآخرة مثلهم أيضا في سماعهم من المنافقين وتخلفهم عنهم
كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (16) كذبا يعقلون ما فيه صلاحهم، فإن تشتيت القلوب يوهن قواهم اهـ بيضاوي.
قوله: (خلاف الحسبان) أي: حال كونهم خلاف أي: بخلاف أي: مخالفين للحسبان أي: ظن أنهم مجتمعون اهـ شيخنا.
قوله: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ إنما خص الأول بلا يفقهون، والثاني بلا يعقلون، لأن الأول متصل بقوله: لأنتم أشد رهبة في صدورهم من اللّه أي لأنهم يفقهون ظاهر الشيء دون باطنه والفقه معرفة الظاهر والباطن، فناسب نفي الفقه عنهم. والثاني متصل بقوله: تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى إذ لو عقلوا لاجتمعوا على الحق ولم يتفرقوا، فناسب نفي العاقل عنهم اهـ كرخي.
قوله: كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ خبر مبتدأ محذوف قدره بقوله مثلهم أي: مثل اليهود بني النضير أي: صفتهم الغريبة العجيبة، وهي ما وقع لهم من الإجلاء والذل كمثل وصفة وحال أهل مكة فيما وقع لهم أيضا يوم بدر من الهزيمة والأسر والقتل، والمقصود تشبيه حال اليهود وهي ما حصل لهم في الدنيا من الوبال وما سيحصل لهم في الآخرة من العذاب بحال المشركين في هذين الأمرين، فقول الشارح في ترك الإيمان قد علمت أن المراد بمثلهم ما نزل بهم في الدنيا، وما سينزل بهم في الآخرة فترك الإيمان ليس هو المثل بل هو سببه ففي سببية تعليلية، وقوله: من قبلهم متعلق بالاستقرار المحذوف الذي هو الخبر في الحقيقة، وقوله: قريبا ظرف زمان معمول إما لذاقوا الذي بعده وإما لمضاف مقدر في الخبر أي: كوقوع وحصول مثل الذين من قبلهم قريبا أي: في زمن قريب، إذ بين وقعة بدر ووقعة بني النضير نحو سنة ونصف لما تقدم أنها كانت في ربيع الأول من الرابعة، وبدر كانت في رمضان من الثانية، فالباء في كلام الشارح بمعنى في اهـ.
قوله: ذاقُوا أي: الذين من قبلهم، وهذا بيان لمثل الذين من قبلهم، والمراد بأمرهم كفرهم، وقول الشارح: عقوبته أي عقوبة أمرهم الذي هو الكفر أي: العقوبة المسببة عنه اهـ شيخنا.
قوله: (مثلهم أيضا) أي: مثل اليهود، وقوله: في سماعهم بيان لمثلهم أي: اليهود، وقوله:
وتخلفهم أي: تخلف المنافقين عنهم أي: اليهود، وقوله: كمثل الشيطان المراد به حقيقته لا شيطان الإنس، وقوله: إذ قال للإنسان الخ بيان لمثل الشيطان اهـ شيخنا.
وفي البيضاوي: مثل المنافقين في إغراء اليهود على القتال كمثل الشيطان الخ، انتهت.
وهي أظهر كما لا يخفى اهـ.
قوله: إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ المراد به برصيصا العابد لما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال الإنسان الذي قال له الشيطان اكْفُرْ راهب نزلت عنده امرأة أصابها لمم ليدعو لها، فزين له الشيطان ووطئها فحملت ثم قتلها خوفا من أن يفتضح، فدلّ الشيطان قومها على موضعها فجاؤوا فاستنزلوا الراهب