الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 469
لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا متشققا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ المذكورة نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21) فيؤمنون
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ السر والعلانية هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (22)
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ الطاهر عما لا يليق به السَّلامُ ذو السلامة من النقائص الْمُؤْمِنُ المصدق رسله بخلق المعجزة لهم الْمُهَيْمِنُ من هيمن المعترفون بإعجازه لا ترغبون في وعده ولا ترهبون من وعيده. والغرض من هذا الكلام التنبيه على قساوة القلب لهؤلاء الكفار وغلظ طباعهم، ونظيره: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة: 74] وقيل: الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أي: لو أنزلنا هذا القرآن يا محمد على جبل لما ثبت وتصدع من نزوله عليه، وقد أنزلناه عليك وثبتناك له فيكون ذلك امتنانا عليه أن ثبته لما لم تثبت له الجبال، وقيل: إنه خطاب للأمة واللّه تعالى لو انذر بهذا القرآن الجبال لتصدعت من خشية اللّه تعالى، والإنسان أقل قوة وأكثر ثباتا فهو يقوم بحقه إن أطاع ويقدر على رده إن عصى، لأنه موعود بالثواب ومزجور بالعقاب اهـ.
وفي القرطبي: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا حث على تأمل مواعظ القرآن، وبين أنه لا عذر في ترك التدبر، فإنه لو خوطب بهذا القرآن الجبال مع تركيب العقل فيها لانقادت لمواعظه ولرأيتها على صلابتها ورزانتها خاشعة متصدعة أي: متشققة من خشية اللّه، والخاشع الذليل والمتصدع المتشقق، وقيل: خاشعا للّه بما كلفه من طاعته متصدعا من خشية اللّه أن يعصيه فيعاقبه، وقيل: هو على وجه المثل للكفار اهـ.
قوله: (المذكورة) أي: في هذه السورة أو سائر القرآن، ومنها قوله: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ الخ.
قوله: هُوَ اللَّهُ الَّذِي الخ لما وصف القرآن بالعظم، ومعلوم أن عظم الصفحة تابع لعظم الموصوف أتبع ذلك بوصف عظمته تعالى فقال: هو أي الذي وجوده من ذاته عدم فلا عدم له بوجه من الوجوه فلا شيء يستحق الوصف بهو غيره لأنه الموجود دائما أزلا وأبدا، فهو حاضر في كل ضمير غائب بعظمته عن كل حس، فلذلك تصدع الجبل من خشيته، ولما عبّر عنه بأخص اسمائه أخبر اسمائه أخبر عنه لطفا بنا وتنزلا لنا بأشهرها الذي هو مسمى الأسماء كلها بقوله: اللّه أي المعبود الذي لا تنبغي العباد والألوهية إلا له فإنه لا مجانس له ولا يليق ولا يصح ولا يتصور أن يكافئه أو يدانيه شيء اهـ خطيب.
قوله: (السر والعلانية) أو المعدوم والموجود، فالمراد بالغيب حينئذ ما غاب عن الوجود اهـ كرخي.
قوله: (ذو السلامة الخ) أشار به إلى أنه صفة ذات، وقال الخطابي: معناه الذي سلم الخلق من ظلمه فيكون صفة فعل اهـ كرخي.
وفي القرطبي: قال ابن العربي: اتفق العلماء رحمة اللّه عليهم على أن معنى قولنا في اللّه السّلام