الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 358
مسافرين وتداينتم وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ وفي قراءة فَرِهانٌ جمع رهن مَقْبُوضَةٌ تستوثقون بها وبينت السنة جواز الرهن في الحضر ووجود الكاتب فالتقييد بما ذكر لأن التوثيق فيه أشد، وعد بالانعام بالتعليم، والثالثة تعظيم لشأنه تعالى اهـ كرخي.
قوله: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ هذا آخر آية الدين، وقد حثّ اللّه سبحانه وتعالى فيها على الاحتياط في أمر الأموال لكونها سببا لمصالح المعاش والمعاد. قال القفال رحمه اللّه تعالى: ويدل على ذلك أن ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على الاختصار، وفي هذه الآية بسط شديد. ألا ترى أنه قال إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ، ثم قال ثانيا: ولْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ، ثم قال ثالثا: وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ، فكان هذا كالتكرار لقوله: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ لأن العدل هو ما علمه اللّه، ثم قال رابعا: فليكتب وهذا إعادة للأمر الأول، ثم قال خامسا:
وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُ لأن الكاتب بالعدل إنما يكتب ما يملي عليه، ثم قال سادسا: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ، وهذا تأكيد. ثم قال سابعا: وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا، وهذا كالمستفاد من قوله: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ [البقرة: 282 و283] ، ثم قال ثامنا: وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلى أَجَلِهِ، وهو أيضا تأكيد لما مضى، ثم قال تاسعا: ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا، فذكر هذه الفوائد التالية لتلك التأكيدات السالفة وكل ذلك يدل على المبالغة في التوصية بحفظ المال الحلال وصونه عن الهلاك ليتمكن الإنسان بواسطته من الانفاق في سبيل اللّه والاعراض عن مساخطه من الربا وغيره والمواظبة على تقوى اللّه اهـ خطيب.
قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ على بمعنى في كما يشير له قول الشارح أي مسافرين اهـ شيخنا.
وعبارة الشهاب قوله: أي مسافرين فيه إشارة إلى أن على استعارة تبعية شبه تمكنهم من السفر بتمكن الراكب من مركوبه انتهت.
قوله: وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا في هذه الجملة ثلاثة أوجه.
أحدها: أنها عطف على فعل الشرط أي وإن كنتم ولم تجدوا فتكون في محل جزم تقديرا.
والثاني: أن تكون معطوفة على خبر كان أي وإن كنتم لم تجدوا كاتبا.
والثالث: أن تكون الواو للحال والجملة بعدها نصب على الحال فهي على هذين الوجهين الآخرين في محل نصب اهـ سمين.
وإنما لم يتعرض لعقد الشاهد لأنه يوجد في السفر كثيرا بخلاف الكاتب فيقل وجوده فيه، تأمل.
قوله: (جمع رهن) أي على كل من القراءتين وهو بمعنى مرهون تدليل قوله مقبوضة، ويصح أن يراد المصدر الذي هو العقد فيكون المراد مقبوضة متعلقاتها. قوله: مَقْبُوضَةٌ صفة لرهن الواقع مبتدأ والخبر محذوف ذكر بقوله تستوثقون بها. قوله: (و بينت السنة الخ) فالسنة مقدمة على مفهوم الآية، وقوله بما ذكر أي من السفر وعدم وجدان الكاتب اهـ شيخنا.
قوله: (و وجود الكاتب) أي وفي حال وجود الكاتب. قوله: (اشتراط القبض في الرهن الخ)