فهرس الكتاب

الصفحة 363 من 2941

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 360

بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283) لا يخفى عليه شيء منه

لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا تظهروا ما فِي أَنْفُسِكُمْ من السوء والعزم عليه أَوْ تُخْفُوهُ تسروه يُحاسِبْكُمْ يخبركم بِهِ اللَّهُ يوم القيامة فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ المغفرة له وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه والفعلان بالجزم عطفا على جواب الشرط والرفع أي فهو وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) ومنه محاسبتكم وجزاؤكم

آمَنَ قوله: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ استدلال على قوله: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، فاستدل بسعة ملكه على سعة علمه. وقوله: ما فِي السَّماواتِ الخ أي من الأمور الداخلة في حقيقتها والخارجة عنهما من أولي العلم وغيرهم، فغلب غيرهم لأنهم أكثر أي الكل له تعالى خلقا وملكا وتصرفا اهـ شيخنا.

قوله: وَإِنْ تُبْدُوا الخ صريح في التكليف والمؤاخذة بالخواطر التي لا يقدر الإنسان على دفعها، ولذلك سيأتي في الشارح ما يقتضي أنها منسوخة بما سيأتي، هذا وفي قول الشارح هنا من السوء والعزم عليه إيماء إلى عدم النسخ، وذلك لأنه إذا حمل ما في الأنفس على خصوص العزم لم يكن نسخ لأنه مؤاخذة به، وقد نظم بعضهم مراتب القصد بقوله:

مراتب القصد خمس هاجس ذكروا ... وخاطر فحديث النفس فاستمعا

يليه هم فعزم كلها رفعت ... سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا

اه.

قوله: (و العزم عليه) أي على السوء أي قصد فعله قصدا جازما، والمراد بابدائه العمل بمقتضاه أي عمل المنوي والمعزوم عليه. قوله: (يخبركم) جواب عن سؤال وهو أنه كيف قال في الاخفاء يحاسبكم به اللّه مع أن حديث النفس لا إثم فيه ما لم يفعل للحدث المشهور فيه، ولأنه لا يمكن الاحتراز عنه، فأجاب بأن المراد بالمحاسبة مجرد الاخبار به لا المعاقبة عليه، فهو تعالى يخبر العباد بما أخفوا أو أظهروا ليعلموا إحاطة علمه، ثم يغفر ويعذب فضلا وعدلا، وعلى المؤاخذة يكون ذلك منسوخا بقوله لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها، أو المراد بما أخفوه العزم القاطع والاعتقاد الجازم لا مجرد حديث النفس والوسوسة، وذكر الحساب حجة على منكره من المعتزلة والروافض اهـ كرخي.

وحاصل صنيع الشارح أنه أجاب عن السؤالين بجوابين: الأول ما ذكره هنا، وهو أن المراد بالمحاسبة مجرد الإخبار. والثاني أن ما هنا منسوخ كما سيذكره بقوله، ولما نزلت الآية قبلها الخ، ولكن كلّا من الجوابين ومن السؤال إنما يستقيم لو أريد بما في النفس مطلق ما يرد على القلب من الخواطر، أما لو اريد به خصوص العزم كما حمله هو عليه، فلا يرد السؤال ولا الجوابان ففيه صنيعه تساهل، تأمل. قوله: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ الخ قال ابن عباس: يغفر لمن يشاء الذنب العظيم ويعذب من يشاء على الذنب الحقير لا يسأل عما يفعل اهـ خازن. قوله: (و الرفع) أي على الاستئناف اهـ.

قوله: (و جزاؤكم) هو المذكور بقوله فيغفر لمن يشاء الخ، ولذلك قال أبو السعود: هذا تذليل مقرر لما قبله فان كمال قدرته على جميع الأشياء موجب لقدرته على ما ذكر من المحاسبة وما فرع عليها من المغفرة والتعذيب اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت