الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 363
تُؤاخِذْنا بالعقاب إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا تركنا الصواب لا عن عمد كما أخذت به من قبلنا وقد رفع اللّه ذلك عن هذه الأمة كما ورد في الحديث، فسؤاله اعتراف بنعمة اللّه رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا أمرا يثقل علينا حمله كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا أي بني إسرائيل من قتل العزم، وهي الهاجس والخاطر وحديث النفس والهم اهـ.
قوله: قولوا رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا الخ تعليم من اللّه لعباده كيفية الدعاء، وهذا من غاية الكرم حيث يعلمهم الطلب ليعطيهم المطلوب اهـ شيخنا.
قوله: لا تُؤاخِذْنا يقرأ بالهمزة وهو من الأخذ بالذنب، ويقرأ بالواو، ويحتمل وجهين، أحدهما أن يكون من الأخذ أيضا، وإنما أبدلت الهمزة واوا لانفتاحها وانضمام ما قبلها، وهو تخفيف قياسي، ويحتمل أن يكون من واخذه بالواو قاله أبو البقاء، وجاء هنا بلفظ المفاعلة وهو فعل واحد، وهو اللّه لأن المسيء قد أمكن من نفسه، وطرق السبيل إليها بفعله، فكأنه أعان من يعاقبه بذنبه ويأخذ به على نفسه، فحسنت المفاعلة، ويجوز أن يكون من باب سافرت وعاقبت وطارقت اهـ سمين.
قوله: (لا عن عمد) كتأخير الصلاة عن وقتها في حال الغيم جهلا به، وكقتل الخطأ المشهور اهـ.
قوله: (كما آخذت به) أي بما ذكر من الأمرين من قبلنا. قيل: كان بنو إسرائيل إذا نسوا شيئا مما أمروا به أو أخطؤوا عجلت لهم العقوبة، فيحرم عليهم شيء مما كان حلالا لهم من مطعم أو مشرب على حسب ذلك الذنب، فأمر اللّه المؤمنين أن يسألوا رفع مؤاخذتهم بذلك اهـ خازن.
قوله: (و قد رفع اللّه ذلك الخ) أي المؤاخذة بالخطأ والنسيان، وهذا إشارة إلى إيراد حاصله أنه كان مرفوعا عنا بمقتضى الحديث الشريف، فيكون طلب رفعه طلبا لتحصيل الحاصل، وقد أجاب عنه بقوله: فسؤاله اعتراف بنعمة اللّه، أي فالقصد من سؤال هذا الرفع وطلبه الإقرار والاعتراف بهذه النعمة، أي إظهارها والتحدث بها على حد وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: 11] . قوله: (كما ورد في الحديث) وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» . رواه الطبراني وغيره اهـ كرخي.
قوله: لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا معطوف على لا تؤاخذنا وتوسيط النداء بين المتعاطفين لإظهار مزيد الضراعة والالتجاء إلى الرب الكريم، وكذا يقال في قوله: وَلا تُحَمِّلْنا فهو معطوف على لا تؤاخذنا إلى آخر ما تقدم اهـ.
قوله: إِصْرًا الإصر العناء الثقيل الذي يأصر صاحبه أي يحبسه مكانه، والمراد به التكاليف الشاقة اهـ أبو السعود.
وفي المختار: أصره حبسه وبابه ضرب اهـ.
وفي السين: والاصر في الأصل الثقل والشدة، ويطلق على العهد والميثاق لثقلهما كقوله تعالى: وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي [آل عمران: 81] أي عهدي وميثاقي، ويضع عنهم إصرهم أي التكاليف الشاقة ويطلق على كل ما يثقل على النفس كشماتة الاعداء اهـ.