الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 368
بخلافه وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ بمعنى الكتب الفارقة بين الحق والباطل وذكره بعد ذكر الثلاثة ليعم ما عداها إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ القرآن وغيره لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ غالب على أمره فلا يمنعه شيء من إنجاز وعده ووعيده ذُو انْتِقامٍ (4) عقوبة شديدة ممن عصاه لا يقدر على مثلها أحد
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ كائن فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (5) لعلمه بما يقع في العالم من كلي قوله: (بخلافه) أي القرآن، فإنه نزل دفعة واحدة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، فحفظته الحفظة أي كتبته الكتبة، ثم نزل منها في دفعات في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع، والتعليل الذي ذكره المفسر بقوله: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ، وبقوله: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ، وبقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً، وأجيب بأن القول بذلك جرى على الغالب، والظاهر كما أفاده شيخنا أنهما لمجرد التعدية والجمع بينهما للتفنن اهـ كرخي.
قوله: (ليعم ما عداها) أي من بقية الكتب المنزلة أي فكأنه قال: وأنزل سائر ما يفرق بين الحق والباطل، فيكون من عطف العام على الخاص، حيث ذكر أولا الكتب الثلاثة، ثم عم الكتب كلها ليختص المذكور أولا بمزيد شرف اهـ كرخي.
قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي كوفد نجران. قوله: بِآياتِ اللَّهِ ذكر الآيات، وإن كان العذاب الشديد مترتبا على الكفر بآية من آيات اللّه، لأن الواقع أن من كفر ليس كفره مخصوصا بآية بل كان كافرا بالآيات كاليهود والنصارى، فإنهم كافرون بالآيات والمراد بالموصول إما أهل الكتابين وهو الأنسب بمقام المحاجة معهم أو جنس الكفرة، وهم داخلون فيه دخولا أوليا اهـ كرخي.
قوله: لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ أي بسبب كفرهم في الدنيا بالسيف، وفي الآخرة بالخلود في النار، ويحتمل أن يرتفع عذاب بالفاعلية بالجار قبله لوقوعه خبرا عن إن، ويحتمل أن يرتفع على الابتداء والجملة خبر إن، والأول أولى لأنه من قبيل الاخبار بما يقرب من المفردات اهـ كرخي.
قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ الخ ردّ على نصارى نجران في دعواهم ألوهية عيسى. وجه الرد أن الإله هو الذي لا يخفى عليه شيء، وعيسى يخفى عليه بعض الأشياء باعترافهم، فلا يصلح أن يكون إلها، وأن الاله هو الذي يصور الخلق في الأرحام، وعيسى لا يقدر على ذلك فلا يصلح أن يكون إلها. وعبارة الخازن: وقيل: إن الآية واردة في الرد على النصارى، وذلك أن عيسى كان يخبر ببعض الغيب فيقول: أكلت في ذلك اليوم كذا، صنعت كذا، وأنه يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا، فادعت النصارى فيه أنه إله، وقالوا: ما قدر على ذلك إلا لأنه إله فردّ عليهم ذلك وأخبر أن الإله هو الذي لا يخفى عليه شيء، وأنه الذي يصور في الأرحام كيف يشاء وأن عيسى صوّره اللّه في الرحم، فهو من جملة خلقه وأنه يخفى عليه ما لا يخفى على اللّه اهـ.
قوله: (كائن) فِي الْأَرْضِ أشار إلى أن الجار متعلق بمحذوف على أنه صفة لشيء مؤكدة لعمومه المستفاد من وقوعه في سياق النفي، أي لا يخفى عليه شيء ما اهـ كرخي.
قوله: (في العالم) تفسير للمراد بالأرض والسماء، واعتذر عن تخصيصها بالذكر بقوله: (لأن الحس)