الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 369
وجزئي، وخصهما بالذكر لأن الحس لا يتجاوزهما
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ من ذكورة وأنوثة وبياض وسواد وغير ذلك لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ (6) في صنعه
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ واضحات الدلالة هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أصله المعتمد عليه الخ أي لأنهما محسوسان دون غيرهما فلا يناسب التصريح بذكر غيرهما في الاستدلال لعدم احساسه اهـ شيخنا.
قوله: (من كلي وجزئي) فيه رد على الحكماء في قولهم إنه تعالى لا يعلم الجزئيات إلا بوجه كلي لأنه في الحقيقة يعني العلم بالجزئي كما هو مقرر في محله اهـ كرخي.
قوله: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ هذه الجملة يحتمل أن تكون مستأنفة سيقت لمجرد الإخبار بذلك وأن تكون في محل رفع خبرا ثانيا لإن اهـ سمين.
قوله: كَيْفَ يَشاءُ كيف أداة شرط وتعليق، كقولهم كيف تصنع أصنع وكيف تكون أكون، إلا أنه لا يجزم بها وجوابها محذوف لدلالة ما قبلها عليه، وكذلك مفعول يشاء لما تقدم أنه لا يذكر إلا لغرابة، والتقدير كيف يشاء تصويركم يصوركم، فحذف تصويركم لأنه مفعول يشاء، وحذف يصوركم لدلالة يصوركم الأول عليه، ونظيره قولهم أنت ظالم إن فعلت؛ تقديره أنت ظالم إن فعلت فأنت ظالم. وعند من يجيز تقديم الجزاء على الشرط الصريح يجعل يصوركم المتقدم هو الجزاء، وكيف منصوب على الحال بالفعل بعده والمعنى على أي حال شاء أن يصوركم صوركم، وتقدم الكلام على ذلك في قوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ* ولا جائز أن تكون كيف معمولة ليصوركم، لأن لها صدر الكلام وماله صدر الكلام لا يعمل فيه إلا أحد شيئين: إما حرف جر نحو بمن تمر، وإما المضاف نحو غلام من عندك اهـ سمين.
قوله: (من ذكورة الخ) تفسير لكيف. قوله: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ الخ قيل: إن وفد نجران قالوا للنبي: ألست تزعم أن عيسى كلمة اللّه وروح منه؟ قال: بلى، قالوا فحسبنا ذلك فردّ عليهم وبيّن أن الكتاب قسمان: قسم يفهمه الناس، وقسم لا يفهمه أمثالهم، وما فيه من أنه كلمة اللّه وروح منه من جملة الثاني فلم يفهموا المراد من أنه كلمة اللّه وروح منه اهـ أبو السعود، بالمعنى. قوله: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ الظرف خبر وآيات مبتدأ أو بالعكس بتأويل من باسم أي بعضه آيات، والأول أوفق بقواعد الصناعة، والثاني أدخل في جزالة المعنى. إذ المقصود الأصلي انقسام الكتاب إلى القسمين المذكورين لا كونهما من الكتاب الذي هو مفاد لاحتمال الثاني اهـ أبو السعود.
قوله: هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ لم يقل أمهات الكتاب وهي خبر عن جمع، لأن الآيات كلها في تكاملها واجتماعها كالآية الواحدة، وكلام اللّه واحد، أو أن كل واحدة منهن أم الكتاب، كما قال: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً [المؤمنون: 50] أي كل واحد منهما اهـ كرخي.
وعبارة السمين: وأخبر بلفظ الواحد هو أم عن جمع، وهو هن إما لأن المراد أن كل واحدة منهن أم، وإما لأن المجموع بمنزلة أم واحدة كقوله: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً [المؤمنون: 50] وإما لأنه مفرد واقع موقع الجمع، وقيل: لأنه بمعنى أصل الكتاب والأصل يوجد اهـ.