الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 370
في الأحكام وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ لا تفهم معانيها كأوائل السور وجعله كله محكما في قوله أحكمت آياته بمعنى أنه ليس فيه عيب ومتشابها في قوله كتابا متشابها بمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن والصدق فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ميل عن الحق فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ طلب الْفِتْنَةِ لجهالهم بوقوعهم في الشبهات واللبس وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ تفسيره وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ تفسيره إِلَّا قوله: وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فإن قيل: القرآن نزل لإرشاد العباد، فهلا كان كله محكما؟
فالجواب: أنه نزل بألفاظ العرب وعلى أسلوبهم وكلامهم على ضربين الموجز الذي لا يخفى على سامع. هذا هو الضرب الأول، والثاني المجاز والكنايات والاشارات والتلويحات، وهذا هو المستحسن عندهم، فأنزل القرآن على الضربين ليتحقق عجزهم، فكأنه قال: عارضوه بأي الضربين شئتم، ولو نزل كله محكما قالوا: هلا نزل بالضرب المستحسن عندنا اهـ من الخازن.
قوله: (لا تفهم معانيها) أشار بذلك إلى أن التشابه من صفات المعنى، فوصف اللفظ به تجوز، وقد صرح بذلك أبو السعود اهـ شيخنا.
والمراد أنها لا تفهم بسهولة، وإن كانت تفهم بمزيد تأمل كما هو مذهب الخلف فإنهم يؤولونها تأويلا صحيحا. قوله: (و جعله كله محكما) إشارة لسؤال وجواب صورة السؤال قد جعل هنا محكما ومتشابها، فكيف الجمع بين هذه الآية وآيتي جعله كله متشابها، وجعله كله محكما؟ والجواب ظاهر من كلامه اهـ شيخنا.
قوله: (ليس فيه عيب) أي لفظا ولا معنى. قوله: (و متشابها) أي وجعله كله متشابها اهـ. قوله:
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ كوفد نجران وغيرهم من الظاهرية المتعلقين بظاهر الكتاب والسنة واعتقاد ظواهرهما، فاعتقدوا أن اللّه له يد ووجه وعين إلى غير ذلك من المتشابه فيحملون الجنب واليد والاستواء والعين الوارد ذلك في القرآن على ظاهر اللفظ، ويقولون: إن اللّه جسم بدليل ذلك اهـ.
وجعل قلوبهم مقرا للزيغ مبالغة في عدولهم عن سنن الرشاد وإصرارهم على الشر والفساد اهـ أبو السعود.
وزيغ يجوز أن يكون مرفوعا بالفاعلية لأن الجار قبله صلة الموصول، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره الجار قبله، والزيغ قيل: الميل، وقال بعضهم: هو أخص من مطلق الميل، فإن الزيغ لا يقال إلا لما كان من حق إلى باطل، وقال الراغب: الزيغ الميل عن الاستقامة إلى أحد الجانبين، وزاغ ومال متقاربة، لكن زاغ لا يقال إلا فيما كان من حق إلى باطل اهـ سمين.
قوله: فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ أي يتعلقون بظاهر المتشابه أو بتأويل باطل لا تحريا للحق، بل ابتغاء الفتنة اهـ أبو السعود.
قوله: (لجهالهم) اللام للتقوية، وعبارة أبي السعود: أي طلبا أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك والتلبيس انتهت.
قوله: (بوقوعهم) الخ الباء سببية اهـ.
قوله: وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ أي مع انهم بمعزل عن رتبة التأويل الحق، وذلك قوله وما يعلم تأويله