الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 530
تُدْخِلِ النَّارَ للخلود فيها فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ أهنته وَما لِلظَّالِمِينَ الكافرين فيه وضع الظاهر موضع المضمر إشعارا بتخصيص الخزي بهم مَنْ زائدة أَنْصارٍ (192) يمنعونهم من عذاب اللّه تعالى
رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي يدعو الناس لِلْإِيمانِ أي إليه وهو محمد أو القرآن أَنْ أي بأن آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا به رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ غط عَنَّا سَيِّئاتِنا فلا تظهرها بالعقاب قوله: مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ من شرطية مفعول مقدم واجب التقديم لأن له صدر الكلام، وتدخل مجزوم بها، وقوله فقد أخزيته جواب الشرط، وجملة الشرط وجوابه خبر إن اهـ سمين.
قوله: (للخلود فيها) فيه إشارة إلى جواب سؤال، وهو أن هذا يقتضي خزي كل من يدخلها وقوله يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [التحريم: 8] ، يقتضي انتفاء الخزي عن المؤمنين، فلا يدخلون النار. وإيضاح الجواب أن أخزى في الأول من الخزي وهو الإذلال والإهانة، وفي الثاني من الخزاية وهي النكال والفضيحة، وكل من يدخل النار يذل وليس كل من يدخلها ينكل به، فالمراد بالخزي في الأول الخلود، وفي الثاني تحلة القسم أو التطهير بقدر ذنوب الداخل. وافهم أن العذاب الروحاني أفظع لأن الإخزاء هو الذل، ولا يكون إلا من مؤثرات الروح لا البدن، وأيضا لو كان الجسماني أفظع لكان الظاهر أن يجعل جزاء حتى يكون هو المقصود بالذات اهـ كرخي.
قوله: (فيه وضع الظاهر الخ) أي فكان مقتضى الظاهر أن يقال وما لهم أو وما له مراعاة لمعنى من أو لفظها اهـ شيخنا.
قوله: (من زائدة) أي لوجود الشرطين. وفي مجرورها وجهان، أحدهما: أنه مبتدأ وخبره في الجار قبله وتقديمه هنا جائز لا واجب، لأن النفي مسوغ وحسن تقديمه كون مبتدئه فاصلة. والثاني:
أنه فاعل بالجار قبله لاعتماده على النفي وهذا جائز عند الجميع اهـ سمين.
قوله: مُنادِيًا مفعول به على حذف المضاف أي نداء، وجملة ينادي الخ صفة لمناديا على الراجح من أن سمع لا ينصب مفعولين اهـ شيخنا.
قوله: (يدعو الناس) أي فمفعول ينادي محذوف، فإن قيل: ما الفائدة في الجمع بين مناديا وينادي، فأجاب الزمخشري بأنه ذكر النداء مطلقا ثم مقيدا بالإيمان تفخيما لشأن المنادي، لأنه لا منادي أعظم من مناد ينادي للإيمان، وذلك أن المنادي إذا أطلق ذهب الوهم إلا مناد للحرب أو لإطفاء الثائرة ألا لإغاثة المكروب أو لكفاية بعض النوازل أو لبعض المنافع، فإذا قلت: ينادي للإيمان فقد رفعت شأن المنادي وفخمته اهـ كرخي.
قوله: (أي بأن) أشار إلى أن مصدرية في موضع نصب على حذف حرف الجر، ويصح كونها تفسيرية فلا موضع لها من الإعراب والعطف بالفاء مؤذن بتعجيل القبول وتسبب عن السماع من غير مهلة اهـ كرخي.
قوله: فَاغْفِرْ الفاء لترتيب المغفرة والدعاء بها على الإيمان به تعالى، والإقرار بربوبيته فإن ذلك من دواعي المغفرة والدعاء بها اهـ أبو السعود.
قوله: (فلا تظهرها بالعقاب عليها) وجمع بين غفران الذنوب وبين تكفير السيئات لأن غفران