فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 6
أكلها كانَ حُوبًا ذنبا كَبِيرًا (2) عظيما. ولما نزلت تحرجوا من ولاية اليتامى وكان فيهم من تحته العشر أو الثمان من الأزواج فلا يعدل بينهن فنزل
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا تعدلوا فِي الْيَتامى وخص النهي بالمضموم، وإن كان أكل مال اليتيم حراما وإن يضم إلى مال الوصي، لأن أكل ماله مع الاستغناء عنه أقبح، فلذلك خص النهي به أو لأنهم كانوا يأكلونه مع الاستغناء عنه، فجاء النهي على ما وقع منهم، فالقيد للتشنيع، وإذا كان التقيد لهذا الغرض لم يلزم القائل بمفهوم المخالفة، جوز أكل أموالهم وأخذها اهـ كرخي.
قوله: إِنَّهُ كانَ حُوبًا في الهاء ثلاثة أوجه، أحدها: أنها تعود على الأكل المفهوم من لا تأكلوا. الثاني: أنها تعود على التبديل المفهوم من لا تتبدلوا. الثالث: أنها تعود عليهما ذهابا بها مذهب اسم لاسم الإشارة نحو: عوان بين التبديل والأول أولى لأنه أقرب مذكور. وقرأ الجمهور حوبا بضم الحاء، والحسن بفتحها، وقرأ بعضهم حابا بالألف وهي لغات ثلاث في المصدر والفتح لغة تميم اهـ سمين وفعله من باب قال.
وفي المصباح: حاب حوبا من باب قال إذا اكتسب الإثم وبضم الحاء أيضا اهـ.
وكسرت الهمزة من إنه لأن المراد تعليل النهي المستأنف وتحريمه عليهم محله فيما زاد على قدر الأقل من أجر الولي ونفسه، كما هو الأصح عند الشافعية اهـ كرخي.
قوله: (تحرجوا من ولاية اليتامى) أي امتنعوا وطلبوا الخروج من الحرج. أي: الإثم فتفعل يأتي للسلب تقول: تحرج وتأثم وتحوب. أي طلب الخروج من الحرج والإثم والحوب، كما أن الهمزة تأتي للسلب أيضا فيقال: أقسط إذا أزال القسط أي الجور والظلم، ولذلك جاء وَأَمَّا الْقاسِطُونَ [الجن: 15] الآية وجاء وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: 9] اهـ شيخنا.
وفي المصباح: قسط قسطا من باب ضرب وقسوطا جار وعدل أيضا، فهو من الأضداد قاله ابن القطاع، وأقسط بالألف عدل، والاسم القسط بالكسر اهـ.
قوله: (من الأزواج) أي الزوجات. قوله: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى الإقساط العدل، وقرئ بفتح التاء فقيل: هو من قسط أي جار ولا مزيدة كما في قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ[الحديد:
29]وقيل: هو بمعنى أقسط، فإن الزجاج حكى أن قسط يستعمل استعمال أقسط والمراد بالخوف العلم، كما في قوله تعالى: فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا [البقرة: 182] عبر عنه بذلك إيذانا بكون المعلوم مخوفا محذورا، وهو شروع النهي عن منكر آخر كانوا يباشرونه متعلق بأنفس اليتامى أصالة، وبأموالهم تبعا عقيب النهي. عما يتعلق بأموالهم خاصة، وتأخيره عنه لقلة وقع المنهي عنه بالنسب إلى الأول، وتنزيله منه منزلة المركب من المفرد، وذلك أنهم كانوا يتزوجون من يحل لهم من اليتامى اللاتي يلونهن، لكن لا لرغبة فيهن، بل في مالهن ويسيئون في الصحبة والمعاشرة يتربصون بهن الموت ليرثوهن، وهذا قوله الحسن. وقيل: هي اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في مالها وجمالها، ويريد أن ينكحها بأدنى من سنة نسائها، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق وأمروا أن ينكحوا ما سواهن من النساء، وهذا قول الزهري رواية عن عروة، عن عائشة رضي اللّه عنه عنها اهـ أبو السعود.