فهرس الكتاب

الصفحة 822 من 2941

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 283

بإبدائها ومتى أبداها ساءتكم فلا تسألوا عنها قد عَفَا اللَّهُ عَنْها عن مسألتكم فلا تعودوا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101)

قَدْ سَأَلَها أي الأشياء قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ أنبياءهم فأجيبوا ببيان والمعنى وأن تسألوا عن غيرها مما مست الحاجة إليه، فحذف المضاف، ولا يصح حمله على غير الحذف. قال الجرجاني: الكناية في عنها ترجع إلى أشياء أخر، كقوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [المؤمنون: 12] يعني آدم ثم قال: ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً [المؤمنون: 13] أي ابن آدم، لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين، لكن لما ذكر الإنسان وهو آدم على إنسان مثله، وعرف ذلك بقرينة الحال. والمعنى: وإن تسألوا عن أشياء حين ينزل القرآن من تحليل، أو تحريم، أو مست حاجتكم إلى التفسير، فإذا سألتم، فحينئذ تبدلكم، فقد أباح هذا النوع من السؤال. مثاله: أنه بين عدة المطلقة، والمتوفى عنها زوجها، وترك اللائي يئسن من المحيض، فالنهي إذا عن شيء لم يكن لهم حاجة إلى السؤال عنه، فأما ما مست الحاجة إليه فلا اهـ.

قوله: عَفَا اللَّهُ عَنْها استئناف مسوق لبيان أن نهيهم عنها لم يكن لمجرد صيانتهم عن المسألة، بل لأنها في نفسها معصية مستتبعة للمؤاخذة، وقد عفا اللّه عنها. أي عفا اللّه عن مسألتكم السالفة منكم حيث لم يفرض عليكم الحج كل عام جزاء لمسألتكم وتجاوز عن عقوبتكم الأخروية، كسائر مسائلكم، فلا تعودوا إلى مثلها اهـ أبو السعود.

وفي السمين: قوله عَفَا اللَّهُ عَنْها فيه وجهان، أحدهما: أنه في محل جر، لأنه صفة أخرى لأشياء، والضمير على هذا في عنها يعود على أشياء، ولا حاجة إلى إدعاء التقديم والتأخير في هذا، كما قاله بعضهم قال تقديره لا تسألوا عن أشياء عفا اللّه عنها أن تبدلكم إلى آخر الآية، لأن كلا من الجملتين الشرطيتين وهذه الجملة صفة لأشياء، فمن أين أن هذه الجملة مستحقة للتقديم على ما قبلها، وكأن هذا القائل إنما قدرها متقدمة ليتضح أنها صفة لا مستأنفة. والثاني: أنها لا محل لها لاستئنافها والضمير في عنها هذا يعود على المسألة المدلول عليها بلا تسألوا، ويجوز أن يعود على أشياء، وإن كان في الوجه الأول يتعين هذا لضرورة الربط بين الصفة والموصوف اهـ.

قوله: (فلا تعودوا) أي لمثلها. قوله: قَدْ سَأَلَها أي سأل مثلها في كونها محذورة ومستتبعة للوبال. وعدم التصريح بالمثل للمبالغة في التحذير اهـ أبو السعود.

وفي السمين: والظاهر أن الضمير في سألها يعود على أشياء، لكن قال الزمخشري: فإن قلت:

كيف قال لا تسألوا عن أشياء ثم قال قد سألها ولم يقل سأل عنها؟ قلت: ليس يعود على أشياء حتى يعدى إليها بمن، وإنما يعود على المسألة المدلول عليها بقوله: لا تسألوا أي قد سأل المسألة قوم، ثم أصبحوا بها أي بمرجوعها كافرين. ونحا ابن عطية منحاه. قال الشيخ: ولا يتجه قولهما إلا على حذف مضاف، وقد صرح به بعض المفسرين أي سأل أمثالها أي أمثال هذه المسألة وأمثال هذه السؤالات اهـ.

قوله: (أنبياءهم) أي كما سأل قوم صالح الناقة، وسأل قوم عيسى المائدة، وسأل قوم موسى رؤية اللّه جهرة اهـ خازن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت