فهرس الكتاب

الصفحة 826 من 2941

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 287

كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (104) إلى الحق والاستفهام للانكار

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي احفظوها وقوموا بصلاحها لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ قيل المراد لا يضركم من ضل من أهل الكتاب وقيل المراد غيرهم لحديث أبي ثعلبة الخشني سألت عنها رسول الحال أي أحسبهم ما وجدوا عليه آباءهم كائنين على كل حال مفروضة، وقد حذفت الأولى في الباب حذفا مطردا لدلالة الثانية عليها دلالة واضحة. كيف؛ وأن الشيء إذا تحقق عند المانع، فلأن يتحقق عند عدمه أولى، كما في قولك أحسن إلى فلان إن أساء إليك أي أحسن إليه إن لم يسيء إليك، وإن أساء أي أحسن إليه كائنا على كل حال مفروضة، وقد حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها دلالة ظاهرة.

إذ الإحسان حيث أمر به عند المانع، فلأن يؤمر به عند عدمه أولى، وعلى هذا السر يدور ما في إن ولو الوصليتين من المبالغة والتأكيد، وجواب لو محذوف لدلالة ما سبق عليه أي لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون حسبهم ذلك، أو يقولون ذلك وما في لو من معنى الامتناع والاستبعاد إنما هو بالنظر إلى زعمهم، لا إلى نفس الأمر، وفائدته المبالغة في الإنكار والتعجيب ببيان أن ما قالوه موجب للإنكار والتعجب. إذ كون آبائهم جهلة ضالين في الاحتمال البعيد، فكيف إذا كان ذلك واقعا لا ريب فيه اهـ.

قوله: (و الاستفهام للإنكار) أي مع التوبيخ. قوله: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ الجمهور على نصب أنفسكم وهو منصوب على الإغراء بعليكم، لأن عليكم هنا اسم فعل، إذ التقدير ألزموا أنفسكم أي هدايتها وحفظها مما يؤذيها، فعليكم هنا يرفع فاعلا تقديره عليكم أنتم، ولذلك يجوز أن يعطف عليه مرفوع نحو عليكم أنتم، وزيد الخير كأنك قلت الزموا أنتم الخير، واختلف النحاة في الضمير المتصل بها وبأخواتها نحو إليك ولديك ولمكانك، والصحيح أنه موضع جر كما كان قبل أن تنقل الكلمة إلى الإغراء، وهذا مذهب سيبويه. وذهب الكسائي إلى أنه منصوب المحل، وفيه بعد لنصب ما بعده، وذهب الفراء إلى أنه مرفوع، وقد حققت هذه المسائل بدلالتها مبسوطة في شرح التسهيل. وقرأ نافع ابن أبي نعيم أنفسكم رفعا فيما حكاه عنه صاحب الكشاف، وهي مشكلة وتخريجها على أحد وجهين:

إما الابتداء وعليكم خبره مقدم، والمعنى على الإغراء أيضا فإن الإغراء قد جاء بالجملة الابتدائية، ومنه قراءة بعضهم ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها [الشمس: 13] وهذا تحذير وهو نظير الإغراء، وإما على أن يكون توكيدا للضمير المستتر في عليكم، لأنه كما تقدم تقديره قائم مقام الفاعل إلا أنه شذّ توكيده بالنفس من غير توكيد بضمير منفصل والمفعول على هذا محذوف تقديره عليكم أنتم أنفسكم صلاح حالكم وهدايتكم اهـ سمين.

وقوله: في موضع جر أي بالحرف في نحو عليك، وإليك بحسب ما كان وبالإضافة في نحو لديك ومكانك، وكون الكاف في عليك وأخواته ضميرا مذهب الجمهور، وذهب ابن بابشاذ إلى أنها حرف خطاب اهـ من حواشي الأشموني.

قوله: (أي احفظوها) أي من المعاصي وقوموا بصلاحها أي بفعل الطاعات اهـ شيخنا.

قوله: (قيل(المراد) لا يَضُرُّكُمْ فعلى هذا تكون الآية تسلية للمؤمنين على ما حصل لهم من الحزن على عدم إيمان الذين كفروا حين دعوهم إلى ما أنزل اللّه وإلى الرسول، فامتنعوا، وقالوا:

حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا. وقوله: وقيل المراد غيرهم وهم عصاة المؤمنين، فعلى هذا معنى عليكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت