فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 288
اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال «ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك» رواه الحاكم وغيره إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ أنفسكم أي بعد أن أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، فلم يفد أمركم ونهيكم فبعد ذلك ألزموا حال أنفسكم، فإن لم تفعلوا ذلك ضركم ضلال من ضل، لأن الإقرار على الضلال ضلال اهـ شيخنا.
قوله: (و قيل المراد الخ) أشار به إلى أن الآية ليست نازلة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل جاء عن أبي بكر رضي اللّه عنه أنه قال: تعدونها رخصة واللّه ما نزل آية أشد منها، وإنما المراد لا يضركم من ضلّ من أهل الكتاب كما جاء عن مجاهد وابن جبير هي في اليهود والنصارى خذوا منهم الجزية واتركوهم اهـ كرخي.
وفي أبي السعود ما نصه: ولا يتوهم أن في هذه الآية رخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع استطاعتهما، كيف لا، ومن جملة الاهتداء أن ينكر على المنكر حسبما نفى به الطاقة قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «من رأى منكم منكرا فاستطاع أن يغيره فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه» .
وقد روي أن الصديق رضي اللّه عنه قال يوما على المنبر: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها غير موضعها ولا تدرون ما هي، وإني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه عمهم اللّه بعقاب» فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ولا تغتروا بقول اللّه عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ فيقول أحدكم عليّ نفسي، واللّه لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليستعملن اللّه عليكم شراركم، فيسومونكم سوء العذاب، ثم ليدعون خياركم، فلا يستجاب لهم.
وعنه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما من قوم عمل فيهم منكر وسن فيهم قبيح فلم يغيروه ولم ينكروه إلا وحق على اللّه أن يعمهم بالعقوبة جميعا ثم لا يستجاب لهم» . والآية نزلت لما كان المؤمنون يتحسرون على الكفرة، وكانوا يتمنون إيمانهم وهم من الضلال بحيث لا يكادون يرعوون عنه بالأمر والنهي، وقيل: كان الرجل إذا أسلم لاموه، وقالوا له: سفهت آباءك وضللتهم أي نسبتهم إلى السفاهة والضلال، فنزلت تسلية له بأن ضلال آبائه لا يضره ولا يشينه اهـ.
قوله: (أبي ثعلبة الخشني) نسبه إلى خشينة قبيلة من العرب. وفي المصباح: ورجل خشن قوي شديد، ويجمع على خشن بضمتين مثل نمر ونمر والأنثى خشنة وبمصغرها سمي حي من العرب، والنسبة إليه خشني بحذف الياء والهاء، ومنه أبو ثعلبة الخشني اهـ.
قوله: (سألت عنها) أي عن هذه الآية، وقوله: فقال أي في بيان معناها. قوله: (شحا مطاعا) الشح نهاية البخل مع الحرص مطاعا أي يطيعه صاحبه وهو بالقصر أي ميل النفس إلى القبائح متبعا.
أي: يتبعه صاحبه ودنيا مؤثرة بالهمزة وعدمه أي يؤثرها صاحبها على الآخرة وإعجاب أي سرور وفرح، كل ذي رأي برأيه فلا يقبل نصيحة الغير اهـ شيخنا.
قوله: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ أي أيها المؤمنون الطائعون. أي: ومرجعهم أيضا أي مرجع من ضل، ففي الآية اكتفاء على حد سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: 81] ، وفي هذا وعد ووعيد للفريقين